بهية بنخار تنعي الدكتور مولاي رشيد السباعي البكاري ( السيدي)

حرر بتاريخ من طرف

 

من أقسى وأصعب الكتابات على الإنسان حتى لو كان متمرسا محترفا للكتابة، كتابة الرثاء ، فما بالكم بهاوية مثلي- (مقارنة بطينته من الادباء) – في الكتابة الادبية تحاول ان تنصاع للكلمات بدل ان تروضها…تصعب عليها تشكيل الحروف و العبارات بطريقة مهيلكة وهي من تكتب بقلبها لا بعقلها..و الامر الان اكثر صعوبة حينما تكون الكتابة عن عزيز في منزلة الأب ، او الخال اذا كان هذا الخال في مكانة من اكتب عنه هنا، حبيب قلبي الذي لم يكف يوما عن السؤال عني و الدعاء لي و الافتخار بي، حتى ان في صورة بروفايل حسابه على الفيسبوك اسمي منذ ان علم بمرضي لم يزلها يوما، كان اول من يزورني صباح كل عيد، كان يرسل لي الدعاء كل صباح و لا يكف عن مداعبتي في كل لقاء و عن مصارحتي بفخره بإيماني و قوتي و شخصيتي …آااااااه كم الكتابة عنه قاسية، وتكون دائماً الكتابة اكثر صعوبة ومشقة على النفس وانهاكا للعقل واختلافا عن المخزون الكتابي للشخص وبالذات حينما يكون بين الفاقد والمفقود نقاط التقاء كثيرة جينية وفكرية وسلوكية و حين يكون هذا الفقيد ضليعًا في اللغة مُروضاً لها اديبا و مثقفا يعشق لغة الضاد و تنصاع اليه بألفة و سلاسة يجعلك تحس انك تتطاول على اللغة و انت تستعملها معه او في حضرته…لا و ان انسى كيف كان يصحح هفواتي اللغوية و يردد : لغتك جميلة و احساسك رائع و مخزونك الثقافي غني لكنك مشتتة العقل و التركيز..لا تراجعين و لا تكثرين للقواعد كأن لك لغة خاصة بك تجعل الشخص في حيرة من امره بين جمال مضمونها و حلاوة أسلوبها و غنى لغتها و تذبذب قواعدها و كثرة هفوات رقنها، كان يقول لي والدك بنخار (كان يناديه باسمه العائلي) استاذ للغة العربية و اديب و شاعر و أخوالك كذلك فلا يحق لك اهمالها، وانت وسط العقد و الحفيدة الأولى، لذا من واجبك استعمالها و تطوير مهاراتك اللغوية و صقلها، و ضمان استمرار احيائنا لها، فالأساس موجود و ليس عليك إلا الرغبة و الاجتهاد…لذلك اخترت اليوم الكتابة عنك يا حبيبي بلغة عشقك ..فأعذر هفواتي و تسرعي و تجرأي …وهذا يجعلني في حيرة من الامر في اختيار نمط الكتابة عنك و في رثائك…و رجاءك صعب علينا جميعا لعلاقتنا الوطيدة ، نحتار عندما نرثي شخصاً مثلك و في مكانتك ما بين الكتابة الذاتية او الثقافية او الاجتماعية او الدينية او السيرة الشخصية او الصفة الانسانية اوالمواقف التاريخية اوالعلاقة الاسرية بين الكاتب والمكتوب عنه ، وهنا يضطر الكثير من الراثين للاخذ ببعض من هذه الأنماط مجتمعة في اغلب الاحيان كإشارات ، او استعراضها معا كعناوين للمضمون الكتابي لأجل شمولية المعنى وهروبا من إدانة الذات اللوامة في المواقف الحزينة الهامة .. وهو ما لجأت له هنا كون الفقد عندي اكبر من الرثاء..
أسوق هذا الكلام توضيحا لكل من سيقرؤنا من اسرة و اصدقاء والتماسا للعذر منهم ان كان فيما كتبت هنا تشتت وعدم ترابط في المعنى والمضمون ، اذ أنني هنا كمن يرثي حاله وحياته وهو رثاء لا يمكن ان يجيده كاتب مهما أوتي من براعة كتابية نظرا لخصوصية الحالة التي انا بصددها .. ولهذا أقول انني في يوم الإتنين الماضي 8 مارس 2021 . فقدت خالي العزيز الدكتور مولاي رشيد السباعي البكاري حيث انتقل الى جوار ربه ، أسأل الله له المغفرة والجنة .. آمين .. و بفقده أحسست بأن شيئا ما يعتلج في داخلي لم اعرف كُـنهه لكنه أحدث زلزالا في عقلي وداخل جسدي لدرجة انني فقدت الكثير من التركيز الذهني بل وحتى العقلي لان ما بيني وبين ابا محمد سالم -رحمه الله- علاقة من نوع خاص تختلف عن علاقة الخال بالابنة أو الابنة بالخال ، فهو يراني هو وأنا أراه أنا ، ولاغرو في ذلك فهو عرّابي للحياة والثقافة ومن خلاله هو ووالدي دخلت عالم السياسة و الثقافة و الاعلام حينما كانت السياسة نضال لا وجاهة او وصولية او تجارة وليس كما هي اليوم وجاهة بلا ثقافة ، حيث كنت مبهورة مدفوعة بما كان يروي لي من علاقة بينه وبينه النضال و بين الدين المعتدل في تركيبة عجيبة تأثرت بها : ان تكون حاملا لفكر متنور وحداثي و اشتراكي وان تكون عارفا بالله حافظا لكتابه مهتماً بأصول الفقه و مشجعا للتحلي بصفات دين الوسطية و الاعتدال، كما كنت مشجعا لطلب العلم و الثقافة و الادب و كنت عضوا نشيطا في النادي الادبي بمراكش تهب له من وقتك و افكارك و مالك، سياسيا ثابت المواقف، مناضلا من اجل الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية محبا لله و للوطن ووفيا لثوابته ووحدته لتجمع توليفة النضال بنبل و بأخلاق دون استعمال الدين في السياسة بل الاخلاق و النبل في ممارستها من سبعينات القرن الماضي حيث كان احد ايقونات الحركة اليسارية و احد عرابي مجموعة حركة 23 مارس بمراكش ثم منظمة العمل الديموقراطي الشعبي من السرية الى العلنية و ليس غريبا ان يترجل عن صهوة الحياة في الشهر نفسه مارس.
وعلى على الرغم من تقصيري معه في بعض المرات معه وبعد المسافة عندما كنت في امريكا او غيرها وتباعد الالتقاء بيننا إلا انه المبادر دائما بالود والعفو عني والابتسام لي حينما أهاتفه او التقيه وأهم في شرح أسبابي التي أراها قد تعفيني من اللوم، فيبادرني هو بالسماح الأبوي الذي هو أهله وينقلني معه من الانكسار الذاتي الى السمو الوجداني الذي يسبغه علي محبة وكلانا يعرف كُـنهها ومداها.. لقد فتحت عيني على حبيبي مولاي رشيد في الثمانينات وكنت حينها طفلة لا تفقه شيئا من الحياة ، لكن وقعُ كلمة الخال عندي حينها كانت تعني لي الشيء الكثير .. واذكر وقتها انني كمن يريد ان يصرخ ليعلن للملأ أن لدي أخوال من طينة أخوالي الثلات.. أما ماذا تعني كلمة الخال فلم اكن اعرف .. ثم عرفته -رحمه الله- أكثر بعد ان صرت إمرأة مستقلة تريد شق دربها في المجتمع و السياسية و النضال و الاعلام وقد نقلني نقلة حياتية غير عادية و توجيه خاص جدا عندما قررت الاندماج في حزب الاتحاد الاشتراكي بعد ان ترعرعت في بيت يساري و بعد ان قرر ابي الابتعاد عن العمل الحزبي، بعد انصهار تجربة الحزب الاشتراكي الديمقراطي و قبله المنظمة التي فتحت عيني في مقراتها و شربت النضال و الفكر اليساري و الحداثي في اجتماعاتها في اواخر الثمانينات و بدايات التسعينات، و بعد التحاقي بالاتحاد في بداية العقد الماضي، لانني آمنت بالفكرة و اعجبت بمواقفه و بطريقة ممارسته للسياسة و كن اريد حمل المشعل لكن بعد التحاقي و رغبتي في النضال من الواجهة حوربت من بعض الكراسي القديمة التي تؤمن بفكرة الطابور و ليس بفكرة الكفاءة و المستوى الفكري و السياسي و القوة على القيادة السياسية حتى و ان كنا في ريعان الشباب لاننا لم نأتي من فراغ بل ترعرعنا و تربيتا من جهة الواد و الوالدة على فكرة النضال وخدمة الوطن…و رغم ذلك التحقت بالاتحاد و استطعت في المؤتمر الثامن ان اصبح عضوا في اللجنة الادارية للحزب ثم الالتحاق بالكتابة الاقليمية كأمينة للمكتب رفقة اناسا آمنوا بي رغم رفض البعض لفكرة تحملي بعض المسؤوليات التي لم استطع ممارسها كما يجب بسبب التضييق الذي لا نوع لذكر تفاصيله الان.. لانني لا احتفل اليوم الا بالايجابي من التجربة السياسية التي خضتها الى جانبه و بعلاقات انسانية رائعة تجاوزت كل شيء..لكن سخرية القدر ارادت ان ينسحب من الحزب الذي التحقت به تلبية لرغبته حتى و ان خالفت والدي الذي كان ضد فكرة الاندماج…فوجدت في حبيبي/خالي سنداً كبيرا لي وقت المحنك و الاحساس بالخذلان فكان الموجه و المؤطر و الداعم ، وهذا ديدنه -رحمه الله- مع الرجال عامة لان ذلك الفعل بالنسبة له مرجلة من منطلق رجولته، وطيب اصله مع الناس فكيف لا تكون مع مع ابنة قلبه..كان يحترم اختلاف مواقفنا و يقول لي اريدك ان تختاري و تتحملي مسؤولية اختيارك لتتعلمي و تنضجي سياسيا في ما يليق بجيلك و افكارك و قناعاتك…حتى فهمت قصده و اعتذرت و شكرته لافهم ان نضالي و ما يليق بي لم يكن تحت يافطة حزب بل تحت يافطة الوطن! ثم توالى التواصل والتحاور الحياتي المتنوع وكشف الاسرار الشخصية الخاصة لبعضنا البعض بيننا بصور شتى ووسائل متفرقة بين اسبوعية وشهرية مباشرة او عبر الرسائل و المكالمات ، حتى قبل وفاته بأسبوع واحد فقط -رحمه الله- .. ناقش معي و انا في زيارة له في المستشفى، في السياسة و العمل و الآفاق المهنية و حكى لي كيف تأثر بمشكل ألم بي مؤخرا في خضم صراعي مع المرض و بمغالطات سمعها في حقي وحاول تصحيحها و اخذ حقي في عز مرضه و مرضي و دون علمي في حينها…كان فخورا بي معتزا بما احققه و معجبا بصلابة شخصيتي …كان يحب النقاش و المجامع و كلها لقاءات وحوارات ودية صادقة مغلفة بغلاف المحبة والرحمة والرعاية من الكبير للصغير وبالتقدير و السمع والطاعة من الصغير للكبير .
كان رحمه الله صادقا فيما كثير من الناس كذابا .
كان رحمه الله صريحا فيما كثير من الناس مراوغا .
كان رحمه الله حيا في كلامه فيما كان غيره ميتا.
كان رحمه الله صاحب مرجلة فيما كان غيره ضائعا.
كان رحمه الله عزيز نفس فيما كان غيره دنيئا.
كان رحمه الله متحركا فيما كان غيره ساكنا.
كان رحمه الله حاضرا فيما كان غيره غائبا.
كان رحمه الله فاهما بعقل فيما كان غيره جاهلا وهو بعقل .
كان رحمه الله يسمو فوق المواقف مع الرجال فيما كان غيره يسقط.
كان محبا لأهله و اصدقائه فيما كان غيره مباغضا لاهله واصدقائه.
كان رحمه الله من السباعيين الذين ظلوا محافظين على ثقافتهم و أصولهم ومتحزّمين بالمراجل فيما كان البعض مسربلين من المرجلة أو مستعيرينها من الاخرين .
كان رحمه الله محبا للحياة فيما كان غيره يعيش على هامشها .
كان رحمه الله وفيا مع الناس فيما كان غيره ناقصا حتى مع اهله.
كان رحمه الله تواقا للمعالي فيما كان غيره قابعا في محله .
كان رحمه الله يدير الحوار جهرة فيما كان غيره متكلما في خفاء.
كان رحمه الله مستقيم الرأي فيما كان غيره اعوج الرأي .
كان رحمه الله قويا عنيدا في رأيه فيما كان غيره رخوا (كخرقة) لا تقف.
كان رحمه الله قويا مع الحياة والناس و المرض فيما كان غيره ضعيفا.
كان رحمه الله يعطي فيما كان غيره يأخذ .
كان رحمه الله يصافح باليمين فيما كان غيره يصافح باليسار.
كان رحمه الله يتقدم الى الامام فيما كان غيره يتراجع للوراء.
كان رحمه الله يسمي ويشخص الرجال فيما كان غيره لا يعرف من هو.
كان رحمه الله يكون فيما كان غيره لم يكن .
كان رحمه الله موجودا فيما كان غيره غائبا.
كان رحمه الله باسما فيما كان غيره عابسا .
كان رحمه الله حر نفسه فيما كان غيره أسيرها.
كان رحمه الله خويا للطيب فيما كان غيره عدوا له .
كان رحمه الله ممتطيا صهوة جواد المرجلة فيما كان غيره ينتظر أية دابة ليسايرها.
كان رحمه الله بصيرا مبصرا في الحياة فيما كان غيره أعمى.
هو الآن حي الذكر بعد الموت فيما غيره ميت الذكر و هو حي .
رحمك الله يا خالي يا حبيبي مولاي رشيد كما احب ان اناديك فأنت جدير برثاء يليق بك لكنني فشلت ولذلك سوف لن اكتب بعد اليوم رثاء لأنني لم أرثيك كما يجب ان يكون الرثاء ، حيث فقدت حروف الرثاء مع فقدك فأنا لا أراني الا انت وقد فقدتك وفقدت ذاتي لأنك حقا اكبر مني ومن الرثاء ..
رحمك الله أيها الخال العزيز ولو عددت مناقبك ومآثرك وقارنتك بأترابك لأغضبتُ كثيرا ، وهم وأنت وأنا نعرف وجه الحقيقة والصدق منذ أعوام حتى الأمس .. فلكل سيرة وسجل تسجله الأيام ويعرفها القاصي والداني ..
ولكنني في الختام أقول :
لكل خال اسم ولكن ليس لكل اسم فعل وأنت لك اسم وفعل

لن انسى رسالتك التي اخبرتني بمرضك و بإلتحاقك بي في المرض ضد السرطان، حيث كتبت لي بالحرف:

‎بهيتي الغالية شافاك الله وعافاك.وانت تجدفين في بحر لجي تتلاطمه الامواج. فهلا سمحت لي بان اجدف معك في مركبك ونشق معا عباب اليم قاصدين شاطىء الامان. فاي بحر هو سيكون اللقاء ؟ فها انا بدوري اصارع الموج لالحق بمركبك حتى لا اتركك ترفعين الشارة البيضاء فقد اصبحت ديدننا
.
و الله حافظك و حافظنا لإنك قوية مفعمة بالحب والحياة و تقية مؤمنة شاربة من بحر اليقين الذي يجمعنا.”
اليوم اقول لك ان القاء كان و سيكون ابداعي قلوبنا و في تناغم أروحنا الى ان نلتقي في دار البقاء…
الى اللقاء حبيبي الدكتور مولاي رشيد، الشريف الرشيد، السياسي و المناضل و العالم الفقيه و الاديب و الشاعر و المحب لله و لعباد الله فإلى رحمة الله وحسن المآل وأسكنك فسيح جناته وصبّرنا على فقدك انه سميع مجيب ..
ابنة قلبك و ابنة اختك عائشة السيدي و ابنة صديقك محمد بنخار و باختصار :الباهمنة او بيهمان او ام البهاء كما تحلو لك مناداتي( ألوو البهامنة الزبدات الكبدات..كم سافتقدها)

اعزي بحرارة و اشد على ايادي والدته جدتي الحاجة لالة فضيلة الغزايل و اخوتي ابناءه محمد سالم و بسمة السوالم و البسمات نفعه الله بدعاءكم و ارملته خالتي خديجة المريني دنيا صبرها الله و كل اخوته الهم الله السلوان :امي لالة عائشة السيدي و اخوالي مولاي حفيظ، و عبد العزيز و خالاتي اخواته فتيحة و جميلة و سلامة و سعيدة و بشرى و مباركة و كل ابناء اخواته و اخواته و ابناءه عمومته و كل اصدقاءه الافياء كل بإسمه و كل رفاق دربه النضالي و الأدبي و المجتمعي و كل أهل زاوية الحضر و كل قبائل ابي السباع اينما كانوا ، فعزاؤنا واحد و خسارتنا واحدة
لكنه حي يرزق فينا فقد ترك وراء سيرة عطرة و مؤلفات تخلده و ابناء بررة ليكوا خير خلف لخير سلف و ام فاضلة و أرملة مخلصة و اصدقاء يبكونك بحرقة كمثال الاستاذ الصوفي عبد الفتاح و عبر العزيز الرغيوي و السريدي و الكرطي و بلكوري و نجيب ايت عبد المالك و برادة حميماتو الدكتور مظهر و طليمات و أهداف و كومينة و النشاطي و ابو فكر و وو العشرات الاخرين و ابناء و بنات اخواتك و اخوتك مكلومين عليك كلهم اوفياء لسيرتك انوب عنهم في رثائي هذا فصبرا جميلا لنا جميعاً لان حزننا و فقدنا واحد
بهية بنخار

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.