ماذا يحصل بالسجن المحلي بالرشيدية ؟

حرر بتاريخ من طرف

سجن النساء

 

ابراهيم بوام*

 

بالنسبة لكل مراقب للوضع الحقوقي بالمغرب ، أصبح من البديهي القول بأن هناك تراجع مهول في مجال حقوق الإنسان بالمغرب بشكل عام ، الشيء الذي بات معترفا به حتى من قبل جهات إعلامية و حقوقية وسياسية دولية كانت إلى الأمس القريب تتجاهل تناول هذه الجوانب القاتمة من سجل النظام السياسي القائم بالمغرب ، و التي كانت آخرها إشارة مجموعة من الجرائد الأمريكية لهذا الموضوع ، فنقلا عن جريدة أخبار اليوم المغربية ، طالبت صحيفة ” الواشنطن بوست” منذ أسابيع بإسقاط التهم الموجهة لمدير موقع “لكم” علي أنزولا ، كما انتقدت جريدة “نيويورك تايمز” القمع المتزايد للصحفيين و الناشطين الداعمين للديمقراطية بالإضافة إلى قول نائب مدير منظمة ” هيومن رايتس ووتش” المكلف بالشرق الأوسط و شمال إفريقيا بأن المغرب في مجال حقوق الإنسان يشبه ورشا ضخما تجري فيه عدة حفلات لإطلاق مشاريع كبيرة … في الوقت الذي تواصل فيه السلطات اعتقال و سجن المتظاهرين و المعارضين و قمع المظاهرات السلمية بالعنف. كما أثارت جريدة “القدس العربي” إضافة إلى مجموعة من المنابر الإعلامية الأخرى قضية الإضرابات عن الطعام التي يخوضها معتقلي الإتحاد الوطني لطلبة المغرب و التي أسفرت عن استشهاد الطالب مصطفى مزياني بعد 72 يوما من الإضراب المفتوح عن الطعام بمدينة فاس ، في الوقت الذي لازال يواصل فيه رفاقه إضرابهم وسط مخاوف من كارثة إنسانية في ظل سياسة الآذان الصماء التي تنهجها الجهات المسؤولة حيال هذا الوضع . دون أن ننسى الاعتقالات المتتالية في صفوف نشطاء حركة 20 فبراير الاجتماعية و التي كان آخرها اعتقال مغني الراب معاذ الحاقد بالدار البيضاء و الناشطين سعيد الزياني و وفاء شرف بطنجة …إلى غير ذلك من الحالات التي لا يتسع المجال هنا لذكرها نظرا لكثرتها و تعددها .
و لعل ما استفزني لكتابة هذه الأسطر ، إضافة إلى كل ما سبق ذكره ، هو الأخبار التي تتوارد على مسامعي حول الوضع المأساوي الذي تعيشه شريحة أخرى في هذا المجتمع و هم المعتقلون في السجون المغربية بشكل عام ، و السجن المحلي بالرشيدية على وجه الخصوص في هذه الأيام الأخيرة ، و الذين لم يسلموا بدورهم من آلة القمع و مصادرة الحق في العيش الكريم ، حيث تجدر الإشارة إلى أن لدي يقين تام بصعوبة الأوضاع التي يعيشها هؤلاء المواطنون داخل أسوار هذه المؤسسة السجنية ، و كذا بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان ، إلا أنني لم أتوقع أن تصل إلى هذا الحد الذي باتت عليه خلال الشهرين الأخيرين، خصوصا بعد تولي مدير جديد لزمام الأمور و الذي كان أول ما تلفظ به للنزلاء نقلا عن أحدهم هو ” أنا جيت لهنا باش نجوعكم” ، فكانت هذه الكلمات بداية لكابوس و دراما إنسانية يعيشها هؤلاء المعتقلين بشكل يومي في الآونة الأخيرة جعلت معظمهم يبحث عن المفر بأي طريقة ، حيث بلغ عدد طلبات الترحيل في غضون هذه المدة القصيرة إلى حوالي 150 طلب ، نتيجة سياسة التجويع التي تنهجها الإدارة الجديدة سواء من حيث كمية أم نوعية الأطعمة التي تقدم للنزلاء، بالإضافة إلى التعذيب الجسدي الذي يمارس بشكل يومي في حقهم إشباعا لنزعات سادية لدى البعض ، ما دفع بالنزيل المدعو “رضوان العور” لحرق ذاته بالزنزانة الانفرادية بعد تعرضه لاعتداء جسدي جسيم بالضرب و الرفس من قبل حراس السجن بأمر من المدير، بالإضافة إلى التضييق الذي تتعرض له عائلات النزلاء أثناء زيارة ذويها ، ناهيك عن القمع الذي تواجه به الأشكال الاحتجاجية للسجناء ، كالإضراب عن الطعام و خياطة الفم ، حيث تقابلها إدارة المؤسسة بالاعتداء الجسدي و السجن الانفرادي بدل التعاطي الجدي مع هذه الإشكالات و إيجاد حلول مناسبة لها .
و أمام هذا الوضع لا يسعنا إلا أن نستنكر ما يقع داخل أسوار هذا السجن الذي أصبح جحيما يذكر بتزمامرت و اكدز و باقي السجون السرية ، كما نطالب المنظمات الحقوقية و المجتمع المدني بالتدخل العاجل لوضع حد لهذا النزيف من الانتهاكات الخطيرة التي تتنافى و الشعارات التي تروج لها السلطة السياسية بالبلد و المتمثلة في إشاعة ثقافة التسامح و حقوق الإنسان و مناهضة التعذيب إلى غير ذلك من الشعارات.
و هذا مقال نشرناه بتاريخ 18 غشت 2013 تحت عنوان “سجن توشكا بالرشيدية: شذوذ جنسي ، رشوة وأشياء أخرى”، تطرقنا فيه إلى عدة جوانب مظلمة بهذه المؤسسة بهدف إطلاع الرأي العام الوطني عما يجري داخل أسوارها العالية و كذا الضغط على إدارتها لتحسين أوضاع النزلاء ، إلا أن الوضع لا يزداد إلا سوءا و تدهورا .
سجن توشكا بالرشيدية: شذوذ جنسي ، رشوة وأشياء أخرى
أصبح من البديهي في زمن التطور العلمي و التكنولوجي و الإنتشار الكبير لمحركات البحث على مستوى الشبكة العنكبوتية , بأن الباحث عن أي معلومة كيفما كان نوعها يكون مقصده الأول هو هذه الشبكة لما توفره من كم هائل من المعطيات و الوثائق و الصور …الى غير ذلك من الأمور التي قد يحتاجها المرء عند أجراء بحث حول مسألة معينة .
هذا بالضبط ما فعلته عند بحثي عن بعض المعلومات المتعلقة بالسجون المغربية و التي كنت أود من خلالها إغناء هذا المقال , على الرغم من كونها لن تغدو أكثر من إضافات على اعتبار معرفتي الكبيرة بهذه العوالم من الداخل . هذا المقال الذي جاء تحت إلحاح كبير من أحد الأصدقاء الذين كنت أتقاسم معهم نفس الحي و نفس الغرفة بالسجن المحلي بالرشيدية , و الذي ضاق درعا مما أصبح يراه هو و باقي النزلاء بشكل يومي في هذه المؤسسة , فرأى في شخصي الطريقة الوحيدة المتاحة لنقل معاناتهم الى الرأي العام حول ما يكابدون من عناء هناك .
في أطار بحثي عن المعلومة كان أول ما منحني إياه محرك البحث على شبكة الإنترنت بعد إدخال كلمة “سجون المغرب” كان هو تعريف من الموسوعة الحرة “ويكيبيديا” يقول : { سجون المغرب هي المؤسسات السجنية التأهيلية لخارقي “القانون” للحق العام و الخاص في “المملكة المغربية” قصد تقضية عقوبة “سلب الحرية” و التأهيل للسجناء و خارقي القانون. و تعد المندوبية العامة لإدارة السجون و أعادة الإدماج منذ 2008 هي المسؤولة عن تدبير و إدارة سجون المملكة }. هذا هو الجواب الذي قد تلقاه في أي مرجع رسمي سواء أكانت مؤسسات أو أجهزة إعلامية أو أفرادا , بل و حتى من بعض المواطنين البسطاء الذين لم يسبق لهم أن خاضوا تجربة داخل مقابر الأحياء هذه , و يكونون في غالب الأحيان ضحايا لما تروجه الالة الإعلامية من إفتراءات, إلا أن الواقع يختلف تماما و يفند كل هذه الإدعاءات و الأكاذيب التي يروجها النظام لتجميل صورته أمام الرأي العام الوطني و الدولي , و ليتبجح في المحافل الدولية بالإنجازات التي حققها المغرب في مجال حقوق الإنسان , حيث لازالت السجون المغربية صندوقا أسودا تتسرب منه من حين الى اخر تفاصيل أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها صادمة , حيث نجد بأن مسؤولين كبارا سابقين قد راكموا ثروات كبيرة في حين يصارع مستخدمون صغارا حاليا ظروفهم المعيشية الصعبة من خلال التعامل مع بعض الأثرياء و بارونات المخدرات للحصول على منح سخية مقابل التغاضي عما يجري خلف أسوار هذه السجون التي أصبحت أمكنة آمنة للاتجار في المخدرات و ممارسة الشذوذ الجنسي و لائحة طويلة أخرى من الممارسات التي يندى لها الجبين , و التي قد تكون في غالب الأحيان سببا مباشرا لإقدام بعض النزلاء على الإنتحار أو أذية النفس بطريقة أو بأخرى هربا من الأوضاع التي يعيشونها , مع غياب الأمل في تغييرها في المستقبل المنظور , خصوصا بالنسبة لأولئك الذين يقضون عقوبة حبسية طويلة , مع العلم بأن السجون لا تضم فقط مجرمين بل تضم كذلك معتقلين سياسيين و عددا من المغاربة الذين حاصرهم القدر و جعلهم مجبرين على ارتكاب خطيئة زجت بهم داخل الزنازن , و منهم أيضا مظلومون قضوا سنين طويلة خلف القضبان قبل أن تظهر براءتهم .
و بالعودة الى السجن المحلي بالرشيدية الملقب ب “توشكا” , فإن الوضع لا يختلف بتاتا عما سبق ذكره سابقا , حيث لازالت الممارسات التي سبق و أشرنا إليها في مقال نشر على الشبكة العنكبوتية تحت عنوان ” السجن المحلي بالرشيدية و استفحال مظاهر الفساد ” بتاريخ 10/08/2012 و الذي جاء فيه : { يعيش السجن المحلي بالرشيدية في الآونة الأخيرة على صفيح ساخن ، خصوصا في أوساط السجناء الذين عبروا عن حنقهم وغيظهم مما آلت إليه الأوضاع داخل هذه المؤسسة السجنية مع تفشي الفساد و الزبونية في أوساط الموظفين و الإداريين ، و كذا الإنتهاكات الجسيمة و المتكررة لحقوق النزلاء باعتبارهم شريحة من الشعب تعيش أوضاعا خاصة داخل مؤسسات قيل بأنها تربوية وتهدف إلى إعادة إدماجهم داخل المجتمع .
وفي إطار حديثنا عن السجن المحلي بالرشيدية , وعلى غرار باقي مؤسسات مندوبية حفيظ بنهاشم ,فإن هذه المؤسسة تعيش في الآونة الأخيرة أوضاعا كارثية نتيجة سوء التدبير و الفساد الأخلاقي و غياب الضمير المهني و حتى الإنساني لدى الطاقم المشرف عليه من إدارة و رئاسة معقل و موظفين, حيث تسود وراء تلك الجدران السميكة و الشاهقة ظواهر تمكنك من تكوين صورة واضحة عن زمن العبودية و السيبة و سيطرة قانون الغاب , حيث لا مكان فيه للضعيف .
و من خلال شهادات حية لنزلاء لازالوا يقبعون خلف قضبان هذا السجن الرهيب إلى يومنا هذا , و كذلك حسب شهادة العديد ممن سبق لهم المرور بتجربة مماثلة بهذا المكان , فإن النزلاء يعيشون أوضاعا أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها كارثية على جميع المستويات من أكل و نوم مرورا بالتطبيب …وصولا إلى النظافة , كلها جوانب كفيلة بالوقوف عندها و إطلاع الرأي العام الوطني و الدولي عما تعيشه فئة من الشعب المغربي في زمن ( الدستور الجديد, حقوق الإنسان, الديمقراطية …) و إظهار وجه اخر من الأوجه البشعة للنظام الذي مافتئت عورته تظهر للعيان شيئا فشيئا .
يقول أحد النزلاء : “الموظف عبد الرحيم وهو رئيس الحي الذي يضم الإحتياطيين و المستأنفين يقوم بتوزيع الأماكن حسب من يدفع له أكثر , حيث لا يحصل عليها إلا الأباطرة و أصحاب النفوذ فيما يجبر البسطاء على التكدس كالسردين المعلب على الأرض . إضافة الى انتشار القذارة و الصراصير الناقلة للأمراض نتيجة غياب مواد النظافة التي لم تعد إدارة السجن تكلف نفسها عناء توفيرها إلا نادرا و بكميات زهيدة , فضلا عن التراجع المهول في كم و جودة الأغذية التي تقدم لنا من لحم و خبز …الخ أما فيما يخص التطبيب و الرعاية الصحية فحدث ولا حرج , حيث تعد رؤية الطبيبة المسؤولة بغية علاج أو كشف صحي حلما يعد الخروج من هذا المكان شيئا أقرب منه إلى التحقق , فالنزلاء يقدمون طلباتهم للعلاج بأمل أن تتم المناداة عليهم بعد 3 أو 4 أشهر و ذلك بسبب استهتار و تهاون الموظفين العاملين بمصحة المؤسسة , و كذا الغيابات المتكررة للطبيبة المسؤولة , زد على ذلك الإعتداءات الوحشية التي يتعرض لها النزلاء على يد الموظفين من ضرب و سلب للاغراض الشخصية , حيث يجري كل هذا بمباركة رئيس المعقل المدعو عبد القادر و بتعليمات منه , أما مدير المؤسسة فدوره غائب تماما و لا يعدو أن يكون مجرد لعبة في يد هذه العصابة التي تمتلك كل الصلاحيات ” .
إنها شهادة إلى جانب العديد من الشهادات الأخرى التي فضحت أوجه الفساد بالمؤسسات السجنية بشكل عام و سجن الرشيدية بشكل خاص , أوجه عديدة و متنوعة لا يتسع لنا مجال ذكرها في هذا المقال إلا أننا نعد الرأي العام بالعمل في المستقبل على فضحها ، ليس بهدف التشهير بالأشخاص و لكن بهدف تحسين الأوضاع داخل هذه المؤسسة لحفظ حقوق و كرامة نزلائها } . و للإسف الشديد فإن الممارسات التي أشرنا إليها في المقال أعلاه لازالت سارية المفعول , بل تعدتها الى أخرى أكثر حقارة و وحشية , حيث جاء على لسان الصديق الذي أتيت على ذكره في بداية هذه الأسطر , في الإتصال الذي أجريته معه بتاريخ 16/08/2013 أي بعد مرور عام كامل على نشر المقال الأول ما يلي : { عبد القادر رئيس المعقل هدد أحد المعتقلين و اسمه ( ح.ب) بالقتل مشهرا سكينا في وجهه , اما الدويش ( وهو مسؤول بالسجن ) فقد مكن مجموعة من “النزلاء من طينة خاصة” من جهاز حاسوب و ذلك بعد عزلهم في غرفة خاصة بعيدا عن باقي النزلاء . فاقيري هو رئيس الحي الملقب ب “مرجان” و هو المسؤول عن أدخال الممنوعات . كما أن هذا الحي أصبح مجالا للتسوق بالنسبة للموظفين الذين يجولون الغرف لجمع العطاءات . أما بالنسبة للقاصرين فهم موضوعون في نفس الحي “الوفاء” الى جانب السجناء الكبار الذين يستغلونهم جنسيا مقابل بعض الرشاوي التي تمنح للموظفين المتواطئين , و هذا في علم قاضي الأحداث و وزير العدل . كما أنه تبادر الى علمنا بأن شبكة متخصصة في تهريب المخدرات , يقبع بعض أفرادها معنا هنا , قد عرضوا على نائب المدير تمكينهم من “الخلوة” مقابل منحه سيارة , و كان رده بأن طلب منهم التريث الى حين مغادرة المدير و سيلبي لهم جميع مطالبهم . إني أطلب من الحكومة فعل شيئ عاجل لوقف هذا “المنكر” } .
و لكن ما لا يعلمه هذا الصديق هو أن جوهر الإشكال ليس في أشخاص بعينهم , و لكن في منظومة كاملة ناتجة عن بنية اجتماعية مشوهة حان الوقت ليقول الشعب المغربي كلمته فيها بعيدا عن لغة الأماني و الدعوات الصالحة .

معتقل سياسي

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.