كتاب: الرياضة والسياسة والفلسفة.. الفلسفة في الرياضة(29

حرر بتاريخ من طرف

 

large

2– الثقافــة الشعبيــة
في سبيل وضوح ضروري في الأفكار، يجب تقديم الإطار الذي تنغرس فيه الظاهرة الرياضية. إن الرياضة عنصر ضمن مجموعة يمكن أن نسميها: الثقافة الشعبية، لا بمعنى ثقافة فرعية، أو ثقافة الفقراء، ولكن بمعنى ثقافة تلحم الناس وتجمعهم وتربط بينهم بصفتهم شعبا. وفي الإمكان توصيف هذه الثقافة الشعبية، بأنها صيانة للفكر اليومي. ففي المقاولات والمؤسسات والإدارات، يوجد طاقم للصيانة يهتم بالسير الجيد للآلات والبنايات، وهذا لا يمنع الصدأ غير أنه يتيح السير العادي إلى النهاية. وماذا بعد! توجد في المجتمع الكثير من الأفكار التي تدور وتروج وهي ضرورية كي يسير هذا المجتمع بطريقة جيدة : يمكن القول إن الثقافة الشعبية “تصون” هذه الأفكار، تكنس القاذورات، تلمع الواجهات، تمسح المكاتب والكراسي، تشحم مواقع الصدأ، تضع بعض الطلاء على الأفكار الموجودة بالقوة والتي تشكل التفكير المشترك لجماعة مجتمعيه : معتقداتها وعاداتها وتقاليدها وأذواقها الجماعية. الثقافة الشعبية “تصون الفكر الجمعي.
إن مصلحة الصيانة لا تصنع الآلة ومن الواضح أن النواة الصلبة لتفكيرنا هي نتيجة التربية المدرسية والأسرية والدينية والسياسية، أي أنها مؤسسية. وهذه التربية عقدية جدا وتعلم بالضرورة الأفكار القائمة، ومعايير الأخلاق والسلوك. فهنا – أي في المؤسسات – تعلمنا كل شيء : احترام العلم والأساتذة، احترام العلاقة الزوجية وليس التحرش والإغواء والعشرة غير الشرعية. تعلمنا الخير والصدق والشر والظلم والكرم واللؤم والصداقة والتأدب واللياقة. وضمن هذه التربية المؤسسية تعلم الطفل المصري القديم أن الفرعون إله حي، وتعلم الطفل الكونغولي، عام 1930 أن أجداده كانوا زعرانا بلحي طويلة شقراء مثل القمح، وتعلم الطفل الفرنسي، عام 1996 أن فرنسا بلد مهذب لطيف لا يهتم إلا بالدفاع عن حقوق الإنسان في جميع أرجاء المعمور. هذه الأفكار تنكتب بسرعة داخل الرؤوس الصغيرة، لكن الناس لا يذهبون دائما إلى المدرسة أو الكنيسة، ويمكن أن نتساءل ألا يمكن أن يتسرب الشك إلى المصري بخصوص الألوهية الفعلية لملكه، وهل يعتقد الكونغولي حقا أن جده كان أشقرا، وهل الفرنسي اليوم مقتنع تماما بأن بلاده لا يهمها سوى الدفاع عن حقوق الإنسان. ذلك أن الحياة اليومية تبعد الناس عن هذه الأفكار والعقائد، ولا تذكرهم بها، ويظلون منشغلين بالأمور الملموسة، الصغيرة والتافهة، لدرجة أنهم لا يهتمون بالأفكار الكبيرة، وفي مجرى الأيام يتركونها في حانوت الأشياء التافهة والمتبذلة. فعندما يشارف الشهر نهايته ويكون الوقت صعبا، وتتوقف آلة التصبين عن العمل بعد أن تكون قد أغرقت الشقة وما فيها، فإن سؤال الحقوق المدنية والأمور المشابهة يمعن في التنائي والابتعاد ويتبخر سريعا في اللامبالاة.
توشك الجدولة الزمنية وتعددية الأمكنة أن تعصف بالفكر الذي صار عاديا ومألوف، وعليه من الضروري إعادة إطلاق الأفكار المجتمعية الكبرى في الأوقات الفارغة من الحياة، في الزوايا الميتة لليومي حيث يوشك أن يفقدها البصر والبصيرة. وإعادة الإطلاق هذه تضطلع بها الثقافة الشعبية، ولا يمكنها النجاح فيها إلا بإثارة الانتباه بكيفية قوية نحو المتعة. ولكل مجتمع متعة التي تبدو غير قابلة للفهم في منظور مجتمعات أخرى، وهذه المتع تمثل المثل المجتمعية في صورة بسيطة وجذابة، وهذه المتع تُطَمْئِنُ القيم السائدة، تُطَمْئِنُها بحبور، ومن ثم تحافظ الأفكار على حيويتها وحضورها. إن الثقافة الشعبية محافظة بكيفية سعيدة.
وقبل العودة إلى الرياضة، يوائم الاعتبار بمثل بسيط. ذلك أن الرسم الغربي لم يكن لمدة طويلة إلا إعادة إطلاق للقيم المسيحية. ولولا الديانة المسيحية القائمة بكنائسها وحجها وأدعيتها وحروبها، لما وجد الرسم. لكن لولا الرسم لما تمكن الدين المسيحي المحدود في نصوصه الصعبة والغامضة من امتلاك القوة الحميمة التي تمنحها الصورة، والخيال الذي يفوق الواقع المألوف. فَعَبْر الرسم والتشكيل، رأينا جميعا بأمهات عيوننا المسيح مصلوبا بكيفية مثيرة وأعجب من العُجَاب، وأبهر مما يمكن أن تقوم به أي حكاية أو سورة من سور النص الديني.
وفي الإمكان بالكيفية نفسها إبراز أن أغنية المنوعات تعيد إطلاق وترافق وترسخ عادات مجال العلاقات (الحب، الصداقة، العاطفة الخصوصية والحميمة) وتسعى إلى منح كل جيل علامة هويته التاريخية (يتعرف كل جيل على نفسه من خلال أغاني شبابه).
فماذا عن الرياضة؟ الرياضة هي كذلك شكل من الثقافة الشعبية،لحظة لإعادة إطلاق الأفكار وبثَِّها. وبكيفية جوهرية، تعيد الرياضة إطلاق القيم السياسية للديمقراطية الليبرالية. وعلى النقيض مما يعتقد الناس، لا تتحدث الرياضة عن الطبيعة والجسد والعضلات والقوة والمكابدة والشجاعة، وإنما تتكلم عن السياسة، وتحدثنا بها عبر لغـات الجسد والعضلات والقـوة. كيف ذلك؟

يتبع

ألفـــــــه: إيف فارگاس

تــرجمــــة : عبد الجليل بن محمد الأزدي / بلعز كريمة

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.