كتاب: الرياضة والسياسة والفلسفة.. الأسياد والعبيد في مملكة الرياضة ( 20

حرر بتاريخ من طرف

rafael_nadal_1560330cRafael Nadal

2-رياضــة متحــررة
عند تبني هذا المنظور، فإن ذلك يعني أن الرياضة نشاط حر، أي يمتلك معياره في ممارستة نفسها (مثلما الحال عندما نأكل، عندما نلعب ونلهو ونمرح) وأن المفاخر الرياضية تأتي فوق ذلك مثل تتويج غير متوقع. وعليه، سيكون مبرر الرياضة هو الرياضة نفسها والانتصار خلاصها، مع ضرورة عدم الخلط بين الخلاص والمبرر، وهو ما سيقوله جميع رجال الدين. والذين يطورون هذا المنظور هم أنصار الرياضة الجماهيرية، الرياضة التربوية: رياضة المؤاكلة؛ وهناك كذلك إيديولوجيون ومنظرون يريدون تطهير الرياضة من آثار مجتمع فاسد، ويسعى هؤلاء الإيديولوجيون إلى ترسيخ الرياضة ضمن إناسة متفائلة؛ وستكون الرياضة تعبيرا عن تجاوز الذات، وعن الصداقة والرفاقة والصراحة والمنافسة. فمن رأي الإيديولوجيين أن الرياضة هي الإنسان، وأنها تعبير عن الطبيعة الإنسانية في أبهى صورها. وهذه الطبيعة الإنسانية لها قوانينها، وهي قوانين الحرية والعيش الكريم، وهي نفسها قوانين الرياضة، طالما تعبر الطبيعة البشرية عن نفسها. وكل قانون يتحدث عن شيء آخر غير الحرية هو قانون أجنبي ودخيل ولا يمكن أن يكون إلا ّاستبداديا”. والرياضة طبيعية وحرة، مع أن الانتصار استبدادي ومصطنع. فمن الطبيعة الإنسانية أن يرغب شاب في رمي كرات حديدية وازنة وأن يقفز على الحواجز، وأن ترغب فتاة في الرقص فوق المتوازيات وأن تجـري وتعدو حد انقطـاع النفس، غير أن الطبيعـة لا تفرض عليهما هيئة أو مدة أو مسافة.
وهذه الفكرة عن رياضة محمولة على السعادة الإنسانية والحرية واللعب، تبدو استيهامية بكيفية كلية. فنحن نعرف أن الرياضة لم تولد من الإنسان بكيفية اعتباطية وطبيعية، وأنها مؤسسة تاريخية، ارتبطت منذ البداية بأنماط منظمة من الفرجة، وبتحكيمات، وبأرقام قياسية.
والكل يعرف أن عصب الفرجة الانتصار والرقم القياسي الجديد. إن الانتصار هو تحديدا القاطرة التي تجر الرياضة، بما فيها رياضة المؤاكلة والرياضة المدرسية التربوية. والحديث عن الاستبداد يفترض أن الانتصار “يحتل” الرياضة مثل جيش أجنبي. وهذا بالتأكيد قابل للنقاش. فكيف يمكن للرياضيين أن يسخروا من الانتصار الذي يجذبهم إلى الرياضة؟ أليس هناك تلذذ مازوخي بالبصاق في الحساء الرياضي باسم قيم قائمة على أرجل من طين؟ إن تحرير الرياضة من النصر يوشك أن يكون مثل من يريد تحرير درجات سلم الصعود من القائمتين.فعند إزالة القائمتين، ستكون الدرجات أو المراقي حرة، لكن لن نصعد إلى الأعلى.
3- مفاســد الرياضـــة
حين الحديث عن هذا الأمر، فذلك لا يستنفذ السؤال. وفي الإمكان الإجابة بيسر على أننا دفعنا سدادة الفلين أبعد قليلا، وأنه يستحيل نفي أن النصر يمثل ضرورة الرياضة. وأن الطريقة التي يمارس بها في العالم الرياضي هي – على العكس- استبدادية بشكل لا يطاق. ومن ثم، لا يرتبط الأمر بإدانة النصر ونتائج المباريات، بل بفضح مفاسدهما والقول إن من غير العادي أن يُعَنِّفَ المدرب الشباب الرياضي، وإن من الفظيع أن بعض الأنظمة الغذائية يسيء بشدة لتطور الرياضيين اليافعين والمراهقين، وأن من المنافي للطبيعة أن يحاول بعض الأطباء تعديل الجسد الإنساني، ليجعل من الإنسان نتيجة الإتقان، وغير ذلك. وأفضع من هذا، سنقول إن من غير المقبول أن ينسى الرياضي وجوده الصحي والمعافى ليصير زائدة تتألم راضية برقم قياسي تطمح إلى تحطيمه. وفي هذه الحال نتفهم ونتقاسم القلق الإنساني. فقد كنا نحلم برياضة تكون نتيجة للطبيعة الإنسانية، وها نحن نعلم أن الإنسان يصير تدريجيا نتيجة وحشية للرياضة ! إذ لم يعد النصر والإتقان من إنجاز الإنسان، بل استغلالا له، ويصنع لنفسه إنسانا على المقاس، ويهيء لنا رافع أثقال مقعد ولاعب كرة قدم أقطع وسباحا بأصابع كفية متصلة. زد على ذلك أنه لا يُعدُّهم ولا يـُحَضِّرُهُم؛ فهؤلاء المسوخ موجودون قبلا في أذهان الرياضيين العبيد الذي يحبون ويُعِزُّون الأغلال والسلاسل التي يمكن أن تقيدهم في ملعب وبقمتة! وإذا كان هذا المقصود بالاستبداد والاستعباد، فإن النقد ينصب على شروط صناعة الرياضة وتحضيرها. فإذا كانت الفرجة الرياضية وليدة الحرية والفرح شبه الطفولي والسعادة الصارخة، فإن صناعتها تتبدى استبدادية ومفعمة بالإرهاب والعنف والطغيان، بل شيطانية وإبليسية.
وتوجد احتجاجات مماثلة بخصوص المال وتعاطي المنشطات. إذ يفضل الناس أن تمنح صناعة الرياضة للرياضة الصورة التي يستهلكها بها الجمهور. ومن المعروف جدا أن هذا مستحيل، وأن الإنتاج والاستهلاك أمران متمايزان، ومن المعروف جدا أن المرح الحميمي الذي يسود داخل مطبخ المطاعم ليس هو نفسه الذي يلائم القاعة، ومن المعروف جدا أن إنتاج الشوكولاطة ليس شهيا، غير أننا نحب أن تكون صناعة الرياضة رياضية، ونعتبر أن من العار صناعة الرياضة داخل مناخ الاتجار غير المشروع والتأثير السياسي والإعلامي والتجارب الصيدلية، وضمن مناخ من التوتر والمزايدة والابتزاز. وفي الحقيقة، يصعب جدا تعيين موقع العار والفضيحة والشنار. إذ هناك الكثير من اللُّعب التي تصنع داخل السجون، ليست أقل تسلية، وإذا كان هناك مشكل ما، فلا يعود إلى اللعبة بل إلى السجن. ففي أي مكان يجب العثور على المشكل بخصوص الإنجاز الاستبدادي؟
لا يمكن قيام فرجة رياضية دون تألق الإنجاز والنتائج، هذا معروف، وفي هذه الحال فإن الرياضيين لن يكونوا أحرارا أبدا، بل عبيدا للانجازات والنتائج والانتصارات، لأن النجاح في منظور الرياضي ليس فعل الأحسن، بل إنجاز الأفضل. ولكن حينها نوشك أن نغرق في ظلام الالتباس والحديث عن الاستعباد بخصوص كل شيء. فهل يجب القول إن الباحثين هم عبيد الاكتشاف، والفنانين عبيد الروائع، والطلبة عبيد المباريات، والعارضات إماء الحِمْيَة، والمهرجون عبيد الضحك؟ إن كل مشروع مهدد في كل آن بالإخفاق، يجعل كل فرد بكيفية هوسية عبدا للنجاح، وفي هذا الصدد، وحدها الرتابة تسمح بتلافي الاستعباد أو العبودية. وعند الحديث على هذا النحو، يتم نسيان وجود عبيد حقيقيين: العاهرات والأطفال الذين يباعون في أسواق النخاسة الحديثة والمهاجرون القاطنون في مجاري وأنفاق مدن الهجرة في أوروبا… غير أننا لا نريد أن نـُحْزِنُ أحدا، وسنعود إلى الرياضة (نعثر على رياضة استعبادية حقيقية في رواية جورج بيريك، ف أو ذكرى طفولة [غاليمار، 1975]، التي تصف أحد معسكرات الموت النازية بصفته مجتمعا رياضيا يرتبط فيه البقاء بالنصر خلال اللقاءات بين السجناء. غير أن هذا النص يبين تحديدا أن هذا المعسكر غير رياضي ومضاد للرياضة. وذلك لسببين رئيسين ضمن أسباب أخرى: أولهما أن “الرياضيين” يجهلون قواعد اللعبة التي تتغير تبعا لنزوات وأهواء الحكام (استبداد)، وثانيهما أن الهدف هو قتل المنافس، فالحياة لا قيمة لها (عبودية) والحال أن الرياضة محكومة بقواعد وتحترم الحياة).
وتأسيسا على ما سبق، يمكن تسطير الخلاصة التالية: يمعن الناس النظر في الإنجاز الرياضي انطلاقا من رياضة خيالية وموهومة، حرة وإنسانية ببساطة، وهذه الرياضة الموهومة ليست شيئا بالتأكيد طالما أن لها آثارا واقعية، وضمنها أولا وقبل كل شيء منح القدرة على النضال داخل الرياضة في سبيل أنسنتها وتحريرها من الانحلال والتفسخ والانحطاط.

يتبع

ألفـــــــه: إيف فارگاس

تــرجمــــة : عبد الجليل بن محمد الأزدي / بلعز كريمة

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.