الحكاية العشرون من حكايات عنترة بن شداد.. سر الهودج ( 20

حرر بتاريخ من طرف

 

La_Vengeance_des_fils_d'Antar

هكذا انطفأت النار حسب الظاهر و بقيت متوقدة في بعض الضمائر ، و عاد عنتر و هو فرحان بمهره الأبجر الذي ما حاز مثله كسرى و لا قيصر ، و كيف لا يكون كذلك و ذلك الحصان هو الأبجر بن النعامة التى تحسرت عليه و على أمه أهل اليمامة ..و قد ورث السير و السباق من ابائه و أجداده العتاق ..و تنازعته الفرسان وتنافست حوله الشجعان منذ أقدم الزمان .
و شاع ذكره في كل البلدان و افتخر به كل إنسان ملكه ، و هو كأنه من عزة نفسه سلطان ، همته همة يقظان و خفته خفة الغزلان ..و كان هذا الجواد نزهة للناظرين و منية للطالبين …و عنتر يركبه و يتباهى به و يفتخر على سائر القوم و العربان .
يا سادة ياكرام ـ و كان من حذر عنترة على نفسه أن سار بمفرده ..بعيدا عن بني عبس ، و هو يعلم أن الحسد يعمل في قلوب القوم ما تعمل النار في هشيم الحطب ..و كان بعضهم يقول في نفسه ما فعلنا بسكوتنا على هذا العبد سيئ الأدب ، و قد اخذ غنائمنا منا بالحيلة ، و هذا أمر إن سمعته العرب عيرونا به على مر الزمان ..
هذا و عنترة يسير غير بعيد عنهم، يرى ما في وجوههم من غدر و ما يحملون في نفوسهم من حقد وضغينة ، فاحترز على نفسه منهم و ابتعد يراقبهم من بعيد ،و عول كل من تعرض له جرحه و على الأرض طرحه ..
أما ما كان من أمر بني عبس فلم يزالوا سائرين الى ان جاء وقت المسا و هم في قال و قيل و لعل و عسى ،إلى أن وصلوا الى واد مليح قد فاحت أزهاره و تناغت أطياره بأعذب الألحان ، و جرى مائه في الأنهر و الوديان، فأعجبهم المكان فنزلوا فيه لأجل الراحة و المبيت ، أما ما كان من أمر عنترة الهمام فقد بات عنترة يقظا خوفا على مهره الأبجر ، محترسا من غدر القوم ، و بقي كذلك و لم يحظ بحلاوة الرقاد حتى أشرق الصباح و أضاء نوره على الروابي و البطاح ، و طار كل من له جناح ..
ولما عولت بني عبس على المسير و الرواح من ذلك الغدير ، و إذا قد لاح لهم جمل عال و عليه هودج مذهب مجلل بالديباج موشح بوشائح الحرير الأصفر ..
و حوله جماعة من العبيد و الأحرار، يلبسون أفخر الملابس و الثياب و عليهم الوان الحرير الفاخر و هم يحملون بين أيديهم الدفوف و المزاهر و المزمار، يغنون و يرقصون ، و حولهم جماعة من العبيد كأنهم السيوف الكواسر ، و ورائهم ستون فارس يحرسونهم ، و هم ما بين مدرع و لابس ، كأنهم الليوث العوابس ..
فلما رأى بنو عبس هذا المنظر، علموا أن في الهودج عروس سائرة من بيت أهلها إلى بعلها ،فقالوا :
ـ هذه غنيمة ثمينة قد ساقها لنا رب السماء تعويضا لنا عن الغنيمة التي ضاعت منا ..
ثم أنهم أكبوا رؤوسهم في قرابيس سروجهم، و داروا بها و أرادوا الحملة فحمل عليهم حراس الهودج من غير مطال ، و بدأ القتال و حما و طال النزال ، و انتهى بقتل خمسين من الفرسان الذين يحرسون الهودج و هرب الآخرون لا يلوون على شيئ ..
و فرح بنو عبس بالنصر و الظفر، ثم انهم بركوا الناقة فرأوا في الهودج عروسا كالصباح إذا أبلج ، بطرف أكحل وحاجب أقوس و معصم قد غاص فيه الدملج ،فحارت منهم الأفكار، و ذهلت الأبصار ، و علموا أنها من بنات الملوك الكبار …
و لما سألوا بعض العبيد ، فقالوا لهم:
ـ هذه أميمة بنت حنظلة بنت شارب الدماء ، و بعلها الذي نحن سائرون اليه يسمى ناقد بن الجلاح فارس اليمن و غفير صنعاء …
فلم يهتموا بهم ، وساقوهم أسرى يقطعون بهم الفلاة ، و الفتاة في هودجها تصيح بالبكاء ..
أما ما كان من امر عنترة فإنه لما رآى و سمع ما كان من الأمور الجسام ، تقدم إلى قائدهم بالمقال :
ـ انتم تعلمون أن هذه الغنيمة أوفى من الاولى قدرا و قيمة، و قد رأيت أن تطرحوا عليها السهام، و تقسموها حتى يفرح كل واحد بقسمته …
فقال له :
ـ ويلك ، أخذت الأولى وحدك و تريد أن تأخذ الثانية ..
قال له عنتر :
ـ يا مولاي الغنيمة الأولى و هبتمونيها ، و عادات السادات إذا وهبوا شيئا لا يرجعوا فيه..
قال عياض :
ـ صدق الرجل فيما قال و ما نهب شيئا و نرجع فيه أبدا ، و لكن اطرحوا السهام على سائر الغنيمة ، و انظروا ما ينوب الرجل منها و أعطوه نصيبه ……
في الغد ترقبوا حكاية جيدة من حكايات أبي الفوارس عنترة

 

د محمد فخرالدين

fakhraddine@yahoo.fr

 

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.