ماذا يجري في العراق؟

حرر بتاريخ من طرف

أمجد ناصرأمجد ناصر

فعلاً، ماذا يجري في العراق؟ مَنْ لديه العلم والخبر فليتقدم ويخبرنا، لأننا، نحن الذين نكتب ونقرأ ونتابع ما يحدث في العالم، لم نعد نفهم. كيف يمكن أن يحدث ما حدث في العراق، في غمضة عين؟ إن كان ما يجري ثورةً، فلم نرَ ثوراتٍ (عربية في الأقل) كذلك. ما كان يبشر بثورة (على الغرار المصري والتونسي) هي الاعتصامات التي استمرت، في الشارع، أكثر من عام، من دون أن تفضي، لسوء الحظ، إلى نتيجة ملموسة: أي إطاحة النظام، أو إحداث تغييرات جذرية فيه. هذا لم يحدث، لأنَّ العراق، للأسف، لم يعد بلداً موحداً يمكن أن تنتظمه موجة ثورية واحدة، حتى لو كانت ذات طابع مطلبي صرف، أي تتجاوز ما هو سياسي مباشر إلى ما هو معيشي، لا يثير انقساماً طائفياً ولا استنفاراً إثنياً.

فحكاية الطبقات والفئات والصراع بينها، واستغلال الإنسان أخاه الإنسان، لا وجود لها اليوم إلا كأهزوجة فلكلورية، في برامج الشيوعيين الذين لم يسلموا، هم أيضاً، من الانقسامات الطائفية والعرقية. من يقول غير ذلك يصدر من تمنٍّ ورجاءٍ، وليس من واقع قائم. فعراق ما بعد الاحتلال الأميركي رُكِّبَ على نحو طائفي سافر. كان الردّ على الديكتاتورية هو التفتيت المذهبي والعرقي والترابي. صار العراقُ عراقَ “مكوِّنات”، لا يُعرّف إلا بها، ولا يُفهم إلا من خلالها: المكوّن الشيعيّ، المكوِّن السنّي، المكوّن الكرديّ، المكوّن التركمانيّ، المكوّن الأشوريّ إلخ..، وعندما يتحول أيّ بلد في العالم إلى مكوناتٍ، يكفُّ عن أن يكون موحداً، ويصبح لعبة في أيدي رعاة المكوِّنات، حيث يمكن أن تنتفي عروبة بعض المكوِّنات وعراقيتها، ويتماهى مع مراجع دينية، أو عرقية خارجية. كيف نفهم، إذن، أن التركيب المذهبي لم يمنع الجيش العراقي، ذا الأغلبية الشيعية (على مستوى القاعدة، أضعف الإيمان) من قتال الإيرانيين قرابة عقد (بصرف النظر عن رأينا في تلك الحرب وعدالتها)؟
لِمَ لم تكن إيران الخميني أقرب إليهم من ديكتاتورية صدام حسين؟ هناك، طبعاً، من فرَّ إلى الجانب الآخر، غير أنهم لم يشكلوا ظاهرةً يعتدّ بها. كان هناك عراقيون يقاتلون إيرانيين، بصرف النظر عن مذاهبهم وإثنياتهم، على الرغم من إدانتنا تلك الحرب التي مزَّقت المنطقة، وزرعت أحقاداً وضغائن، وأحيت فتناً وتواريخ أكل الدهر عليها وشرب.

***
لا أعرف إن كان ما يجري في العراق “ثورة”. في الواقع، أشكُّ في ذلك، فثورةٌ قوامها العشيرة والطائفة والتنظيم الديني المتشدد ليست، حسب معرفتي المتواضعة بالتاريخ، ثورة.. ولا قريبة من الثورة. لا أخلط، هنا، بين برامج محاربي نظام المالكي وعسكره، فمنهم الوطنيون العراقيون ومنهم التكفيريون، التقوا على نقطةٍ واحدةٍ من برنامج ثوريٍّ، مكوَّن من ألف نقطة.

ولكنَّ ذلك لا يعني أنَّ أسباب الثورة ليست كامنة في الوضع العراقي. إنها أقوى، وأكثر أحقية، من أي بلد عربي آخر. فالعراق، صاحب الاحتياطات النفطية الهائلة والمياه الوافرة والأراضي الزراعية الخصبة، لا تعرف عاصمته، فضلاً عن أريافه وقصباته ونواحيه، مياه شرب نظيفة، ولا تياراً كهربائياً متواصلاً، ولا أنظمة صرف صحية، ولا طرقاً معقولة، ولا طبابة يعوَّل عليها. الصور التي تأتي من بغداد، ومن قلب أكثر المناطق الشيعية العربية فقراً، تتفوق في بؤسها، ورثاثتها، على صور بنغلادش، أفقر بلد في العالم.

أين ثروات العراق؟

أين مليارات النفط؟

في جيوب “نخبته” الحاكمة، الفاسدة، وزبائنها الفاسدين.

***
هذا كلُّه كوم، وما يجري تحت الطاولة بين أميركا وأوروبا من جهة، وإيران من جهة ثانية، كوم آخر. إذا كانت صورة العراق القائمة معقدة، فإن الموقف الأميركي – الأوروبي حيال ما يجري في العراق أكثر إثارة للشكوك وللريبة، ولا تنفع في تفسيره إلا نظرية المؤامرة ذات الواقع والمنشأ الغربيين.

فكيف انتقلنا، في غمضة عين، من الكارثة السورية التي لم يجد لها “أصدقاء سورية” حلاً، إلى الساحة العراقية المفتوحة على الحرب الأهلية والتدخل الخارجي بكلِّ أنواعه؟ كيف طوي “الملف” السوري وفتح “الملف” العراقي؟ أهو إغراقٌ لإيران في “المستنقع” العراقي؟ توسيعٌ لرقعة الجبهة التي تقاتل عليها إيران (وحلفاؤها)، بحيث يجري استنزافها، لتأتي إلى حلّ نووي وإقليمي شامل، أم هو إقرار بدور إيران الإقليمي الذي يمتد من هرات إلى صور، وتقاسم النفوذ معه؟ هل ما يجري، على أرض المعركة، رسمٌ لحدود الطوائف والإثنيات، تمهيداً للتقسيم الذي تتعالى معزوفته الوقحة، هذه الأيام، حتى من أفواه بعض “العروبيين”، الذين التقطوا الطعم من الإعلام الغربي، أم أن العراق، على الرغم من اللاعبين في مصائره، عصيٌّ على التقسيم؟
لا أعرف.

من يعرف ماذا يجري في العراق، اليوم، فليتقدم ويخبرنا.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.