كتاب: الرياضة والسياسة والفلسفة.. جحيم الحرب ومثال الرياضة (18

حرر بتاريخ من طرف

صدام حسين

ولهذا تمثل الرياضة المجاز القبلي لسياسة الاقتراع الكوني، لدرجة أن الانتخابات تحاكي استعارتها الخاصة. إذ خلال الحملة الانتخابية، تنتظم المواجهات بين القادة مثل المباريات، بتوزيع الحصص الزمنية للكلام، وقياس الضربات اللفظية المتبادلة بين المرشحين المتنافسين، … وغيرها.
وقد قلدت حرب الخليج في صورتها الإعلامية – في حدود الممكن – المباريات الرياضية. إذ تم الإعلان عنها يوم 15 يناير 1991 بصفتها مبارة نهائية علق عليها وتكهن بمآلها صحافيون كانوا متأكدين من مؤازرة قدماء “الحلفاء” الذي عادوا اليوم إلى وضعهم السابق. ومن ثم، تم الحرص على أن يكون الفرقاء من المستوى نفسه، وعلى ألا تكون المعركة خديعة ينتصر فيها بطل دون خصال على خضم لا قيمة له ولا وزن، فهل يجب التذكير بأن حروب فيتنام وكرينادا وباناما لم يعلن عنها على هذا النحو؛ وأن العمليات البوليسية لا تكون مسبوقة “بتنبيه الألباء” الذين يلتقطون الإشارات بسرعة؟ وحدها المباريات الرياضية “والانتخابات الديمقراطية” تنتمي لهذا النمط من الممارسة. ومثال الرياضة يستتبع كذلك تعداد النقط (الأهداف، المحاولات، الزمن) وعلاقة معينة مع التقدم (تحطيم أرقام قياسية). إن تحويل الحرب إلى “أهداف مسجلة” كان مهمة الصورة المنقولة تلفزيا ليلا. وفي الليل، جميع الموتى رماديون ولن تعود الحرب سوى مسألة أهداف يجب ضربها ضمن مجال مهندس يتلخص فيه كل شيء في صور وحركات مجردة. إن الإخراج الإلكتروني والكاميرات ما تحت الحمراء تحول انفجار القنبلة أو الصاروخ إلى أهداف منتصرة تُحييها الغبطة الفاجرة للمعلقين الهيستيريين، ويكون التقدم كلي الوجود في الخطاب التكنولوجي بصدد إنجازات آلات “ثورية”.
الأقوى دائما، والأبعد والأعلى دوما … هكذا عشنا خلال هجوم ليلة 17 يناير، ولاحظنا أن صدام حسين يفقد الحرب وينهزم فيها تدريجيا، نقطة فنقطة، وهدفا فهدفا، وقنبلة بعد قنبلة. لا نرى النابالم وبساط القنابل، وإنما نشاهد فقط القنابل الفردية والصواريخ الذكية التي تصل- مثل كرة الهدف- إلى مقاصدها تاركة إياها سليمة في الظاهر، أما “قنابل عصف الريح”، فلم نشاهد أي صورة لها خلال الحرب، وإنما شكلت فقط موضوع تجربة علمية: الأهداف من جهة، وتحطيم الأرقام القياسية من جهة أخرى.
غير أن هذه المبارة تحمل تناقضا عجيبا قوامه أن العراق لا يمكن أن ينتصر، لأن مضمون المعركة إعادة العراق إلى إطار قواعد اللعبة. فكيف نفرض مقابلة على من لا يعترف بشرعية القواعد؟ كيف نفهم مقابلة يتعين فيها على الخاسر أن يحترم القانون الذي تفرضه عليه المعركة؟ لقد علمتنا أفلام رعاة البقر أن الغشاش يهزمه المسدس، لا لعبة الورق.
وبنـاء عليه، فإن الإحالة على الحق التعاقـدي ومثـال الرياضة لا يمكن أن تشتغل إلى النهاية. إذ أن اللاعب الأمريكي أرغم الحَكَم (هيئة الأمم المتحدة) على تمكينه من الصفارة كي يقرر هو نفسه القواعد والقرارات والأحكام التي يطبقها؛ لقد صار روكي هو رامبو بحكم قوة القانون وقانون القوة…
لكن أليست القوة المكون المشين والمخزي في الرياضة ؟ أليس أندريه داساريه الذي غنى حوالي 1940 أغنية “أيها الماريشال، ها نحن قادمون”، هو نفسه الذي غنى في الخمسينيات: “النصر للأقوياء، ذلك قانون الرياضة”؟

يتبع

ألفـــــــه: إيف فارگاس

تــرجمــــة : عبد الجليل بن محمد الأزدي / بلعز كريمة

 

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.