الحكاية السابعة عشرة من حكايات عنترة بن شداد.. شرود عنترة (17

حرر بتاريخ من طرف

0

قال الراوي ـ ياسادة ياكرام ـ
ثم أن عنترة قال لصديقه مالك:
ـ ما حملني على هذا السبب إلا الهوى و المحبة ، ذلك أني أحب عبلة بنت مالك بن قراد ، و هي التي منعت عني لذيذ الرقاد و رمتني بالسهر و السهاد ، و ما كلمت أبي بذلك الكلام و أغضبته كل ذلك الغضب إلا من أجلها …
و بكى عنتر بين يدي صديقه مالك و تحسر تحسرات زائدات …
ثم أمضى الليل هو و مالك على مثل ذلك الكلام ثم خلى إلى فراشه للمنام ،وفي الصباح ركب عنترة جواده و تقلد بعدة جلاده و خرج من بين المضارب و سار حتى بعد عن الأبيات ، و سار في الروابي و البطاح و الفلوات ، لا يدري إلى أين يأخذ من الجهات و قد غلقت عليه الطرق و سدت عليه المذاهب ، و لم يعد يدري أين هو ذاهب ، يهيم يمينا و شمالا بين التلال ،إلى أن أضحى النهار و اتسعت في وجهه البراري و القفار، و ذكر فعل أبيه شداد به ، و كيف أنه لم يستجب لطلبه ، ويلحقه بنسبه ، و كيف أشمت به الحساد ، و لما تضاربت في نفسه الأفكار، و ازدحمت في ذهنه الخواطر ، أنشد هذه الابيات :
أعاتب دهرا لا يلين لعاتب و أطلب أمنا من صروف النوائب
و توعدني الأيام وعدا مزخرفا و أعلم حقا انه و عد كاذب
و كان ينشد هذه الأبيات و هو لا يدري إلى أين يسير، لأنه كان يشرد من دون غاية أو قصد ، و قد طغى على نفسه الوجد ..
أما ماكان من أمر حي بني قراد ، فإنه أصبح يموج بحديث عنتر و ما حدث له مع أبيه شداد ، و كيف لعبد أن يطلب الحسب و النسب و هو أمر لم يعهد عند قبائل العرب ..
و قد شمتت به الحساد و أنكروا مطابته بالنسب من أبيه شداد ، و هو من العبيد .. و سمع مالك أبو عبلة بهذا الحديث و الكلام ، فصار الضياء في عينيه ظلام، و زاد به الغضب و اشتد ، و كذا ولده عمرخاصة لما علما برغبته في الزواج من عبلة ، و قالا لشداد :
ـ نريد ان ننتهي من هذا العناد ، لأنه قد طغى و زاد ، و لا بد من قتل هذا العبد على رؤوس الأشهاد ..
قال شداد :
ـ أما قتله على رؤوس الأشهاد فليس بصواب ..
فأجابه مالك :
ـ لا بد من قتله كذلك و سقيه كأس المهالك و لو عارض الملك زهير ذلك و ابنه مالك ..
قال شداد :
ـ الصواب أن نقتله سرا ، و لا يدري به أحد من البشر ، كأن نقتله في رحلة من رحلات الصيد و القنص ..
أما ماكان من أمر ساش بن زهير فإنه لما علم بالخبر و ما حدث لعنتر مع أبيه شداد ، و علم أنه قصد أخاه مالك ،فإنه تقلد بسيفه في الحال و قد أخّذ منه الغضب مأخذا عظيما ، و سار و هو عازم على قتله ، ثم انه سار حتى وصل إلى بيت أخيه مالك ..فلم يجد عنترة هناك ..
وأنكر مالك وجوده و جحده ،و قال لأخيه ساش:
ـ و ما ذنبه حتى تقتله و كيف ننسى ما قام به من أعمال ،و إن كان لا بد من ذلك فاطلبه في الأوعار و القفار ..
فقال ساش :
ـ و الله لو عاد إلى القبيلة مرة اخرى أو أبصرته في الديار لأقتلنه و أقطع رأسه ، لأنه ماطلب من أبيه شداد النسب الا ليحط من قدرنا بين سادات العرب و نبقى معيرة عند جميع القبائل ..
ثم انصرف شاس لما لم يجد عنترة ، أما ما كان من أمر مالك فإنه انتظر رجوع عنتر مدة ثلاُثة ايام و لما لم يرجع قلق عليه و خاف أن يصيبه مكروه ، لانه كان يحبه محبة عظيمة ، فأخبر أباه الملك زهير بما كان من أمره و جميع أخباره ، فلامه زهير على تفريطه في عنترة و قال :
ـ لا بد أن نرسل من يقتفي أثره و يعيده إلى الديار ..
أما ماكان من أمر عنترة فإنه ـ كما قد ذكرنا ـ قد سار حتى بعد عن الديار و طلب البراري و القفار، وصار يلتفت يمينا و شمال ، فرآى غبار خيل سائرة سيرا حثيثا ، فإذا هم أربعين فارسا عوابس بدروع تلمع و رماح شرع ، و خيولهم تنهب الأرض نهبا فاقترب منهم ليرى من أين هؤلاء ، فاذا مقدم هذه السرية أمير من بني عبس الأماجد يقال له عياض بن ناشد …
في الغد ترقبوا حكاية جيدة من حكايات أبي الفوارس عنترة

 

 

د محمد فخرالدين

fakhraddine@yahoo.fr

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.