كتاب: الرياضة والسياسة والفلسفة..الرياضة بنية سياسية (15

حرر بتاريخ من طرف

Guy  DrutGuy Drut

3-الوظيفة السياسية للرياضة
نصل هنا إلى المسألة المفصلية والجوهرية. فالرياضة تنهض بوظيفة سياسية ليس بالمعنى الذي ترافق فيه حدثا سياسيا محددا أو توجها سياسيا خاصا، ولكن بمعنى أكثر اتساعا وعمقا. ذلك أن الرياضة تبني وتهيكل فكر الإنسان كي يستطيع استقبال السياسة الحديثة دون مشاكل، بل حتى دون التفكير في إمكانية وجود أي مشكل.
لقد تغيرت أشكال السلطة السياسية منذ قرن ونصف. وقد اصطفت جميعا (بنحو أو آخر) وراء نموذج الاقتراع الكوني. وهذا جديد تماما ! إذ من رأي ميكافيلي أن السلطة تنهض على القوة والخديعة، وتقوم في منظور أفلاطون على ذكاء الحكيم، ومصدرها الله حسب بوسويه، وهي رهينة الانتفاضة الشعبية فيما يراه جان جاك روسو. تبحث كل حقبة تاريخية عن الشكل السديد والشرعي للسلطة السياسية والسلط المطابقة لهذا الشكل تكون جيدة، وغير المطابقة سيئة واستبدادية. وتوصف بأنها زيف وخداع. وابتداء من القرن التاسع عشر، احتل شكل جديد مقدمة المشهد: إنه الاقتراع الكوني. لدرجة أن جميع السلط تبنته أو حاكته أو قلدته بكيفية خرقـاء، وكل سلطة لا تتبنى هذا النموذج، تبدو مشكوكا فيها، بل ومقيتة، وغير شرعية في جميع الأحوال.

guy-drut-remporte-le-110-metres-haies-au-jo-de-montrealguydrut-

guy-drut-remporte-le-110-metres-haies-au-jo-de-montrealguydrut

فبأي شيء يتعلق الأمر؟ وما مداره ومربط الفرس فيه؟ من الملائم استبعاد تثمين الأحكام المسبقة والقبلية المرتبطة بالتقدم والحرية والديمقراطية، في أفق إنجاز وصف محايد لهذه الآلية. وعليه، فإليكم الخاصيات الخمس للاقتراع الكوني:
1-الدورية – يتم الحصول على السلطة بكيفية دورية، كل سنتين أو ثلاث أو أربع سنوات.
2-الإعلان عن الهوية- فالمرشحون للسلطة معروفون أو يجب أن يعلنوا هويتهم ويعرفوا بأنفسهم.
3-التأطير – في يوم معطى، وفي أمكنة وخلال ساعات محددة يجب وضع أوراق الاقتراع التي تُعَيّن اختيار المنتخبين أو الهيئة الناخبة. وخارج هذا الإطار الزماني- المكاني، يعتبر الانتخاب لاغيا. إذ لا يمكن التصويت غداة الانتخابات، ولا يمكن وضع أوراق التصويت في مكان آخر غير المكان المخصص لها.
4- التعداد – تعد الأوراق وتحسب، والمرشح الذي حصل على أكبر عدد يفوز بالسلطة.
5- المبادلة أو التناوب- بعد سنتين أو ثلاث أو أربع سنوات ستكون السلطة شاغرة مجددا، والممسك بزمامها الآن لن يكون له أي فضل على المرشحين الآخرين.
وإذا حصل الإخلال بواحدة من هذه الخصيصات، فلن يعمل الاقتراع ولن يشتغل.
وهناك أسباب وجيهة لوجود هذا النظام السياسي. فقد وجد لتلافي الحرب الأهلية، سواء منها العسكرية أم المدنية، باللعب على مسألة الوقت : ستكون السلطة شاغرة بعد حين، يكفي الاستعداد، سيأتي الوقت (وهذا ما يهدئ الكثير من الأنشطة والحركات والاندفاعات)؛ وباللعب على إعلان الهوية: فجميع الفاعلين، مرشحين وناخبين، معروفون، وهذا ما يجنب الانقلابات والحركات المغامـرة أو المرتزقة. ومن ثم، فالاقتراع الكوني يقي من المغامرات المسلحة باللعب على الصبر والمراقبة. إنه نظام أفضل من غيره.
وكي يستقر نظام، كيفما كان نوعه ، يحتاج إلى رضى الشعوب، إذ لايكفي أن يكون منسجما ومتماسكا، وإنما يجب أن يؤمن به الناس وأن يكون بدهيا ومسلما به. ويتعين ألا يشكك فيه أي شخص، وهذا يعني أن الأمور تسير من تلقاء ذاتها في أدمغة الناس، وأنها تروج وتدور داخل الدماغ قبل أن يفكر فيها، وأنها تفكر نيابة عن الناس دون أن يكونوا في حاجة إلى التفكير فيها. وعندها نقول إن هذا النظام بدهي ومسلم به.
وعندما يصير نظام موضع سؤال وتفكير (مثل ملكية الحق الإلهي) فقد شارف نهايته. وحينما تتكلم فكرة بصمت، وتجيب دون أن تسأل، فآنئذ تصير بنية للتفكير، أي أداة تستعمل قصد التفكير في أمر آخر. وتتم اليوم مساءلة السياسة بقياسها مع مسألة الاقتراع، أما الاقتراع نفسه فليس موضع سؤال. إنه يعمل من تلقاء ذاته. وهذه القناعة الخرساء والبدهية، لم تأت من السياسة نفسها، بل من الفرجة لأن الفرجة هي أفضل وسيلة للإقناع : إذ أن ما يُرَى ويُشَاهد أفضل من غيره. والحال أن الاقتراع يُرى ويُشَاهد، نتفرج فيه على امتداد الأسبوع. إن فرجة الاقتراع تمنحها الرياضة. فما الموافقات بين أحكام الرياضة وأحكام الاقتراع؟ ما التطابق بين قانون هذه وتلك؟
1- الدورية -يتم الحصول على الكأس أو اللقب بصفة دورية، في كل مبارة أو دورة. لا أحد تكون البطولة في حوزته بكيفية نهائية.
2-الإعلان عن الهوية- المرشحون للقب معروفون مقدما. وإذا صعد متفرج فوق الحلبة وأرسل ضربة قاضية لبطل العالم في الملاكمة، فلن يعلن عنه بصفته بطلا جديدا، لأنه لم يعلن عن هويته مقدما (وذلك بخلاف الألعاب الأولمبية اليونانية وهي ليست رياضية).
3-التأطير- تجري المقابلة في مكان وزمان محددين- وخلال هذا الزمان وداخل هذا المكان تحديدا يجب تحطيم الرقم القياسي أو تسجيل الأهداف أو إرسال الخصم إلى أرضية الحلبة بضربة قاضية… الهدف المسجل بين الشوطين لا يحتسب، إذا كان اللاعب متسللا لا يحتسب هدفه. إنه نظام مكاني وزماني شبيه بما يجري في الانتخابات.
4- التعداد – تعيين الفائز كَمِيٌّ يقوم على تعداد الأهداف والنقط، أما الرياضة الكيفية فليست رياضة، بل مادة بديلة.
5- المبادلة – سيتم مجددا اللعب على اللقب. والبطل القديم ليست له أفضلية. وإنما يشارك في اللعب انطلاقا من الصفر.
وفي الرياضة، لا يوجد انقلاب أو هجوم مخاتل – فكل شيء رهين بالتعداد وفق القواعد. إن الرياضة والاقتراع يمثلان صورة واحدة: إذ بعد التدريب (الحملة الانتخابية) تأتي المقابلة (يوم الاقتراع)، الأهداف والنقط والسنتمترات والأوزان (الأوراق في صندوق الاقتراع)، ثم ننتظر المقابلة القادمة (الانتخابات القادمة) في أمن شعبي وطمأنينة مدنية. وكل من سولت له نفسه القيام بانقلاب سياسي، يعتبر غير شرعي. إن الرياضة تتيح التفكير في السياسة الديمقراطية الليبرالية عبر منح الاقتراع بداهة الأمر الطبيعي. فلماذا لم يتم التفكير على هذا النحو قبل ذلك !
حينما فتش السيد ميكيافيلي عن مثيل ونظير للسياسيين، اقترح حيوانين: الأسد والثعلب. وفضل هوبز الذئب. وأخذ بوسويه نماذجه من الأسرة: الأب هو الأمير وأطفاله هم الشعب. أما أفلاطون، فقد اختار الجسم الإنساني: الرئيس هو الرأس والجيش هو القلب والشعب هو البطن. واليوم، شطبت الرياضة جميع هذه الاستعارات، ومن شاء السير القويم في التفسير السياسي، اتجه نحو الرياضة بشكل مستقيم. والأمثلة في هذا الصدد كثيرة. وهي جميعا توضح وجود بداهات مباشرة للاستعارة الرياضية في وعي الظاهرات السياسية. وليس هذا عاديا، كما أن هذه المقارنة ليست بريئة، لأنها ليست بريئة. والواقع أن مثل هذه المقارنة الرياضية تصير مستحيلة بمجرد ما تخرج المعركة عن القواعد التي يقرها القانون. ومن أمثلة ذلك أن الحرب الأهلية في رواندا لم تفسح المجال أمام أي استعارة رياضية، ومع ذلك كان بالإمكان تعداد الموتى والأراضي المحصل عليها. غير أن شيئا من ذلك لم يكن.

يتبع

ألفـــــــه: إيف فارگاس

تــرجمــــة : عبد الجليل بن محمد الأزدي / بلعز كريمة

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.