كتاب: الرياضة والسياسة والفلسفة.. الرياضة بنية سياسية (13

حرر بتاريخ من طرف

François Voltaire

وإجمالا، يمكن لملك أو رئيس أو وزير أن يحظى بتصفيقات الجمهور قبل المقابلة، لكن بمجرد انطلاق وتبادل التمريرات الأولى، يطويه النسيان. إذ تظل الرياضة بمعزل عن الساسة والسياسة والمقاولة الحزبية.
وإن قال قائل إن الرياضة يمكنها أن تكون مِقْفَزا سياسيا جيدا، فجوابه أن ذلك صحيح شريطة تحديد أن المقفز لا يشارك في القفز. فكم من رياضي ترشح للانتخابات وحصد العديد من الأصوات التي لا تعود إلى المعجبين به، بل إلى عائلته السياسية، ولم نسمع قط أن حزبا سياسيا استثمر مباريات كأس العالم لإقامة تحالفات سياسية أو دعم وتزكية هذا المرشح أو ذاك.
ويظهر أن ليس بالإمكان خياطة تبطين رياضي داخـل بذلات سياسية : فالأثواب لا تتواءم. وقد نجحت السياسة بكيفية أفضل في تحويلاتها وتحريفاتها داخل مجالات الأدب والرسم والسينما والمسرح والدين، غير أنها لم تنجح في مضمار الرياضة. وهناك أفلام مناهضة للسامية ولوحات واقعية اشتراكية وقصائد ثورية وديانات الدولـة، ولاشيء من هـذا بالنسبة للرياضة. ومن ثـم فالعلاقـة بين الرياضـة والسياسة، يجب البحث عنها لا في التحويل السياسي، بل في مكان آخر.
2-التقنيـن الأخلاقـي
يقال غالبا إن بإمكان الرياضة أن تكون ذات وظيفة تخليقية وأن تلعب دورا في التنشئة المجتمعية. لكن يجب أولا إزاحة جميع عوامل الالتباس.
القول إن الرياضة ذات وظيفة تربوية، يجب أن يعني أنها لا توجد إلا لهذا الغرض : فتلك وظيفتها وهذا هو الجوهري. ومن ثم، لا يكفي القول إن لها “كذلك”، “أيضا”، هذه الوظيفة. فإذا قلنا هذا، فلن نعرف عن أي شيء نتحدث، لأن كل نشاط، مهما كان، يمكن أن يكون له “كذلك” و”أيضا” بعد تربوي. بل إن تناول كأس في حانة، يمنح الإحساس بالحميمية والاندماج ويهذب الذوق، وغير ذلك.
يملك كل نشاط مجتمعي، بشكل أو آخر، وظيفة تربوية، ولا وجود لنشاط مجتمعي لا يربي ويعلم. وسيقول البعض إن الرياضة تربى لأنها تعطي عقلية الفريق والعمل الجماعي والإحساس بالمجهود وغيرها، لكن ألا تقوم بذلك، وربما بكيفية أفضل، الكنيسة والجيش والمدرسة الداخلية ومجموعات الرفاق وعصابات الشبان؟ ومن ثم يجب تمحيص هذا الإنكار لوظيفة الرياضة التربوية.
أولا من المعروف أن بإمكان الرياضة أن تدمج بكيفية فعالة شبابا في وضع مجتمعي صعب. ويمكن للممارسة الرياضية أن تعيد لهم معنى التكافل الإنساني واحترام المعايير والجهد المتزن والمعتدل. وتُـحَيِّن هذه الممارسة الحاجة إلى الاعتراف وتشكيل مجموعة مرجعية وممارسة نوع من الحيوية العضلية المفرطة. غير أن هـذه الفعاليـة التربوية للرياضة، والتي لا يمكن إنكارها، يجب ألا نعممها ونجعل منها وظيفة الرياضة.
إن تعلم بعض الفضائـل الأخلاقية أو المدنية عبـر الممارسة الرياضية، لا يبيح أي تعميم. وبصفة عامة، فالفضائل المكتسبة في مجال لا تقبل التنقيل إلى مجال آخر. إذ يمكن اكتساب بعض الفضائل فوق الملعب، دون أن يعني ذلك اندماجا أو إدماجا مجتمعيا أفضل. إذ يمكن للمرء أن يكون مسلما مستقيما ورحيما في المسجـد ورب عمـل لا يرحم داخل المقاولة؛ ويمكن المرء أن يكون نقابيا جيدا وديمقراطيا في المصنع وزوجا مستبدا وجائرا داخل الأسرة؛ بطل ملاكمة فوق الحلبة ومجرم في البيت؛ عميد جيد لفريق كرة السلة ولص يسرق أجهزة المذياع المركبة في السيارات !

يتبع

ألفـــــــه: إيف فارگاس

تــرجمــــة : عبد الجليل بن محمد الأزدي / بلعز كريمة

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.