كتاب: الرياضة والسياسة والفلسفة.. الرياضة والعنف ( 11

حرر بتاريخ من طرف

 

Maria-Sharapova-3Maria Sharapova

ومن اللازم هنا كذلك الاحتفاظ برباطة الجأش. فمنذ قرن من الزمان ظلت الرياضة الفرجة الوحيدة التي تولد عنفا جماعيا، اعتباطيا ومتكررا بهذا القدر أو ذاك. وهي منذ قرن فضاء التقاء نمط من العنف، بخلاف فرجة الباليه والموسيقى وحفلات الروك والمسرح والسينما وغيرها. وليس الأمر صدفة. ذلك أن الرياضة وعنف الملاعب يشكلان كلا واحدا لا تنفصم عراه، لأن العنف مكون تاريخي في الرياضة. ومن المحتمل أنه يشكل جزءا من وجودها الحميم. والذين يحلمون بفرجة رياضية جماهيرية خالية من العنف، هم مثـل من يحلم بطبيب أسنـان لا يؤلم ! إن الألم جزء من الجراحة، والشرطة جزء من النظام، الخ. إن الشرطة شر لا بد منه مثل الألم الطبي، ومثل العنف الرياضي. وإذا كان العنف يقتل الرياضة، أو كان سيتسبب في مقتلها، لماتت في مهدها (حينما يقال شر “ضروري” فلا يعني ذلك أنه مفيد أو مرغوب فيه).
وحينما يقال إن الرياضة والعنف ثنائي عريق يتبادل الكراهية والمحبة، فمن الموائم تحديد ذلك وتدقيقه؛ إذ جميع الرياضات الفرجوية لا تولد بكيفية قدرية وحتمية الشغب والاضطرابات والجرائم والاعتداءات واللكمات … وغير ذلك. وإنما يحتمل وجود علة ما تجعل هذه التظاهرة الرياضية أو تلك مصحوبة أو غير مصحوبة بالعنف. وليس من الميسر الجواب على هذا الأمر.
وفي سبيل توضيح ذلك، تلزم الاستعانة بأحد الأمثلة : في روما القديمة، وجد نمطان من الفرجة يجب عدم الخلط بينهما: إذ هناك السيرك الذي يقدم سباق خيول مربوطة بفريقين : الزرق والخضر؛ وهناك المدرج الذي تعرض فيه حيوانات نادرة ومنافسات الحيوانات (الدببة ضد الأسود) والقنص التخييلي (قنص الفيلة والنمور…). والإعدامات ومباريات المصارعين المشهورين، وغير ذلك.ويمكن الاعتقاد أن جمهور السيرك حكيم وحليم وهادئ، وأن جمهور المدرج مضطرب وقاس ومتطرف. لكن، أليست سباقات الخيول أكثر إثارة من القتال حتى الموت؟ العكس تماما، والتجاوز الوحيد في المدرج يرتبط بالفحش والفجور وليس بالعنف، في حين أن السيرك ليس إلا صياحا وصراخا وصهيلا. وقد زعموا أن صياح السيرك يسمع على بعد كيلومترات. وحينما نقرأ كتاب أوفيد: فن الحب، وهو الكتاب الذي يقدم فيه المؤلف نصائحه لفتى شاب، نعرف أن على هذا الشاب ألا يذهب إلى المدرج قصد “التحرش” وإنما إلى السيرك حيث تختلط النساء بالعبيد، وحيث يمكن عقد علاقة نسائية عبر إقصاء المدعي الأثيم والزنيم الذي لا يتقن استدراج الأنثى.
فماذا يعني ذلك؟ من الملاحظ أن السيرك يضم كافة مكونات المجتمع، في حين أن المدرج لا يستقبل إلى الرجال، الرجال الأحرار. وفي السيرك يلتقي المجتمع برمته (النساء، الرجال، الأحرار، العبيد، الرعاع والدهماء…). وهنا ينفجر العنف. وقد تساءل بعض المؤرخين حول ما إذا كان هذا العنف سياسيا بكيفية مباشرة؛ “الأخضر” لون النخبة المجتمعية “والأزرق” لون الشعب. هذا ما تسمح باعتقاده بعض النصوص النادرة، لكن يجب الاحتراس في التأويل.
وفي جميع الحالات، فالأمر المؤكد أن هؤلاء الرجال، أقصد الرجال الأحرار، هم الذين يذهبون إلى الفرجتين ويتقاتلون هنا ولا يتقاتلون هناك. في المدرج، يتواطؤ جميع الرجال على التعذيب البطيء أو اختصار معاناة محكوم بالإعدام، أو على إرغام راقصة لتظهر عارية؛ أما في السيرك، فنفس الرجال يتقاتلون ويتبادلون الطعنات بالسكاكين أحيانا. ومن ثم، يجب التفكير في العنف التفضيلي أو المختلف للرياضة. أما القول إن الرياضة عموما تولد العنف والعنصرية، فليس صحيحا إلا شريطة تحديد نوع الرياضة، والبنية الرياضية الحافة به.
ومن المعروف أن العنف الرياضي يفترض فرجة جماهيرية، ومن المعروف كذلك أن الـ “مشاغبين” (هوليكانز أو غيرهم) رياضيون حقيقيون ويمتلكون ثقافة رياضية عالية جدا. وهم غالبا ممارسون. وترتيبا على ذلك، لا يدل العنف على مناهضة الرياضة، وإنما هو صنيع مشجعي الرياضة، بالمعنى الذي تكون فيه الرياضة أكثر المنافسات تنظيما، غير أنه يكون في بعض الحالات من صنيع الجموع الفوضوية.
وبهذا المعنى، يندرج في خطاطة المعركة الانتخابية. إذ أن الصراع الانتخابي يدعمه ويسنده الصراع الشعبي، اللكمات المتبادلة بين القائمين بالحملة، المظاهرات الحاشدة في الشارع، والتي تكون يومية وخطيرة، قبل الاقتراع وبعده. أما في الرياضة، فالتظاهر يكون معاصرا للمعركة، يرافقها ويغذيها.
من المحتمل أن فهم عنف الرياضة يعني بداية الاحتراس من ممارسة الأخلاق قصد تذكر أن الشعب كان دائما في عمقـه فوضويا. فالشعـب لا يحب القانون لأن القوانين وجدت لتكون ضده (الشعب هو دائما من يؤدي الثمن). والشعب لا يحب مدير المدرسة الذي يدق الجرس إيذانا بنهاية الاستراحة، ولا يحب كذلك الحكم الذي يوقف المعركة في أجمل لحظاتها (انظر: ريشار هودكار، ثقافة الفقير، منشورات مينوي). وانظروا إلى لعبة المضرب. إنها صارت فرجة شعبية والجمهور يرغب في سماع شتائم اللاعبين، بل ويلتمس حرية الحركات. فهل يتعين على الرياضة أن تقيد الجموع الفوضوية كي تتستر على العنف القائم فيها ؟ إن هذا يوشك أن ينفي عنها طبيعتها كفرجة، بل ربما إذا أصابت الرياضة عنفها بإفراط، توشك أن تفقد وظيفتها الأسطورية، إذ لا توجد الأسطورة حيث لا يوجد الدم.
ومن المفهوم أن الطهرانيين في المجال الرياضي يأملون في رياضة دون عنف، لكن ليس من المؤكد أن طهرانيي الرياضة يمثلون مستقبل الرياضة. وفي نهاية الأمر، فإن المضادات الحيوية تقتل من الناس أكثر مما تقتله الجراثيم، وذلك تبعا للمقادير، فشيء من العنف يقربنا من الرياضة، وكثير يبعدنا منها وعنها، أما انعدامه فيحرمنا إياها.
 يتبع

ألفـــــــه: إيف فارگاس

تــرجمــــة : عبد الجليل بن محمد الأزدي / بلعز كريمة

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.