كـتـاب : الرياضة والسياسة والفلسفة.. الرياضة – الجريمة والعقاب وطهارة الطاهر (9

حرر بتاريخ من طرف

دييجو مارادوناDiego Maradona

 

واعتبارا لذلك، يلزم تعيين معايير فرجوية، ويجب خلال التدريب إبراز المواد والممارسات التي ترفضها الرياضة نفسها بهدف إدانة التقدم الخاطئ وتثمين التقدم الصحيح والمصيب. وفي الإمكان القول إن الرياضة كسرت انتصار بين جونسون، مثلما يكسر بائعو الأواني صحونا أمام الأنظار المشدوهة للزبائن قبل أن يعرضوا عليهم خدمات الخزف الصيني الذي لا ينكسر ويمتلك جودة عالية لا تقدر بثمن. وعبر كسر بين جونسون الذي تعاطى المنشطات، يمكن للرياضة أن تصول وتجول بفيالق رياضييها الكاملين الذين لم يتعاطوا المنشطات، وبالتالي لم ينكسروا، على الأقل في انتظار عملية الكسر القادمة. إن الرياضة في حاجة إلى اصطناع تعاطي المنشطات كجريمـة غير طبيعية قصد التوهيم بأن التدريب يحترم الطبيعة.
هـ- عندما تفقد الدولة نموذجهــا
في الإمكان استعادة التفسير المرتبط بالديمقراطية الانتخابية لقراءة المبالغ المالية الممنوحة لبعض اللاعبين كي يقبلوا الخسران. فهذه المبالغ زهيدة جدا في حين أن الفضيحة كبيرة وينفخ فيها الوسط الرياضي نفسه، الذي يرى هذه المبالغ ولا يرى أخرى عظيمة تتسكع هنا وهناك بكيفية غير قانونية وغير شرعية. فلماذا هذا الغضب والاستنكار؟ لأن الشراء التدليسي والاحتيالي لأحد اللاعبين يطعن في طهارة المنافسة أو المعركة الديمقراطية الانتخابية التي تشكل المباراة تمثيلها الطاهر والنموذجي. إذا غشت الرياضة عند تنظيم مبارياتها، مثل الدولة عند تهيئ انتخاباتها، فإن الدولة تفقد نموذجها، وسندها الروحي: فالدولة لا يمكنها قبول أن تكون الرياضة شبيهة بالسياسة. في حين يجب أن تكون السياسة النموذجية.
وباختصار، فالرياضة تستخدم لحسابها الخاص الجرائم الرياضية مثلما كانت الكنيسة الرومانية قديما تستعمل لنفسها ومصلحتها البـدع والهرطقات التي تحددها قبل إحراقها. وتدان الجرائم الرياضية لأسبـاب فكرية وبسبب ثبات الذهنيات السياسية بهدف ضمان الوظيفة التاريخية للرياضـة : أي أن تمثل السند الروحي للدولة الحديثـة. ولا شـك أن المسؤولين والفاعلين الرياضيين لا يمتلكون دوما الوعـي بالوظيفة السياسية لنشاطهم. والرياضيون في هذا مثل جميع الناس: إذ أنـهم يصنعـون التاريخ دون أن يمتلكـوا وعيا واضحا بالتاريخ الـذي يصنعونه.
إن الأفكار المعبر عنها سابقا لا تدعي الإطلاقية، ولا تمتلك القدرة على مغادرة مدار النسبية؛ وفي سبيل الختم، قد نراهن على أن الدولة الديمقراطية اللبيرالية تعيش راهنا تحولها الثالث إذ تم الانتقال من الدولة النيابية (الدولة البرلمانية) إلى دولة الحق (الدولة التي يراقبها مجلس الحكماء ّأو المجلس الدستوري) واليوم نشهد في الغرب كما في سياق ربيع العالم العربي تحولا ثالثا عنوانه دولة الاتهام أو التجريم، أي الدولة تحت الرقابة القضائية.
ففي فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة تتدخل السلطة القضائية في السلطة السياسية، تستجوب السياسة وتفككها وتضعفها … باسم ماذا؟ باسم القانون الجنائي. ومن الآن فصاعدا سيضع القاضي حبته من الرمل في الدواليب السرية للآلات السياسية. وهذه المعالجة القضائية للسياسي تتم باسم القانون فقط، ودون هـوادة أو تهاون أو تسامح. وإذا تأكد هذا الانتقال وكرس الصورة الجديدة لدولة تحت الرقابة القضائية، فيجب العثور على أفكار جديدة، أفكار بسيطة، عينية وملموسة، لفهم وإدراك العلاقة بين القاضي والسياسي ولملء الفراغ بينهما.
ومن المرجح أن الرياضة ستنهض بملء هذا الفراغ، وستتيح التفكير فيما يبدو اليوم فضائحيا، على أساس أنه عادي وبسيط. ومن المرجح أن صورة جديدة للحَكَم الرياضي سترتسم سريعا: حَكَم طاهر ومطهر، وسيط ومتدخل، ويتدخل من الآن فصاعدا في الأمور التي كانت إلى حدود الراهن لا تعنيه. وسيكون هذا الحكم الجديد في الرياضة نظيرا لقاضي التحقيق في الدولة الديمقراطية، ولكن بمظهر بسيط وملموس وبدهي. وقريبا سيأتي كبار الحكام، الذين صاروا الآن مشهورين وثرثارين، لدعم صغار القضاة، مثلما أن مباريات الملاكمة توضح اليوم الانتخابات الرئاسية.

يتبع

 

 إيف فارگاس

تــرجمــــة : عبد الجليل بن محمد الأزدي / بلعز كريمة

 

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.