كتاب: الرياضة والسياسة والفلسفة..الرياضة – الجريمة والعقاب وطهارة الطاهر(7

حرر بتاريخ من طرف

jean-paul-sartre

جون سارتر

ب‌- الرياضة آلة لإعمال الفكر
إن وظيفة الرياضة وظيفة ثقافية. والرياضة آلة لإعمال الفكر، وفرجة شعبية تدون أفكارا داخل أدمغة الناس. وهنا يجب البحث عن تفسير نجاحها وانتصارها. ربما توجد جذور الرياضة في العضلات، غير أن ورودها وثمارها توجد في الأذهان والعقول. والمقصود بذلك أن حياة الرياضة المستديمة تعود إلى فعاليتها الروحية، وبصريح العبارة، إلى فعاليتها الأدلوجية.
وفي سبيل إيضاح ذلك، يلائم التمثيل بفكرتين وشمتهما الرياضة في أذهان الناس وشكلتا ركيزتي ذهنيتهما التاريخية والسياسية: أولاهما فكرة التقدم، وثانيتهما فكرة الديمقراطية الانتخابية. وهاتان الفكرتان تشكلان معمار العقلية السياسية لليمينيين واليساريين، وللمؤمنين والدهريين على حد سواء. ولو لم توجد الرياضة، فكم يلزم من ساعات التدريس المدني في المدارس في سبيل الإقناع بصلاحيتهما ومصدوقيتهما.
تقوم فكرة التقدم على أن الزمن الذي ينقضي يؤسس لما هو أفضل في وجود الإنسانية، ويسير بها دون تراجع نحو مثال أحسن. وقد نشأت هذه الفكرة قبل ولادة الرياضة بكثير ، إذ ولدت في القرن الثامن عشر: فقد اختمرت في أذهان الفلاسفة عشية الثورة الفرنسية وشكلت إسمنت نخبة سياسية في هذه المرحلة. وفكرة التقدم هذه، ليست بدهية، لأن العديد من التطورات في التاريخ ترافقها ارتدادات وتراجعات. فالعلم يتقدم بالتأكيد، غير أنه يقوي القدرة الحربية، لدرجة أن هيروشيما هي في الوقت نفسه تقدم وبربرية وحشية. ومثلما أن الإنتاجية الاقتصادية تخلق في الوقت نفسه البطالة، فكذلك يخلق الطب الحديث أمراضا جديدة غير قابلة للعلاج، وقـس على ذلك.
ج- بداهـة التقــدم
لم يمنـح التاريخ الواقعي لفكرة التقـدم وضعـا قـارا وثابتـا، إذ لا تلبث أن تتراجع كلما تم التمسك بها. وبالمقابل فالرياضة بأرقامها القياسية، تدون الإنجازات المنصرمة التي تنتظر تجاوزها وتخطيها. وبناء عليه، تشكل الرياضة مملكة التقدم دون منازع. الكلمة دائما للأسرع والأعلى والأبعد، دون وهن وضعف، ودون أثر سلبي: إنها طهارة مفهومية حقيقية للتقدم. ومع الرياضة، لن يشك أحد إطلاقا في وجود التقدم. بل إن القديس طوما نفسه لن يشك في ذلك، لأنه يرى التقدم ويلمسه ويسمعه، ويعرف أن كل رقم قياسي سيتم تجاوزه وتخطيه. إن التقدم هو ضرورة الرياضة وقانونها الداخلي. ولهذا عندما يتم الحديث عن تقدم العلم والطب والتكنولوجيا، فإن هذه المفاهيم تتقوى بفصل النموذج الرياضي الذي يتوسط ويتدخل بين مفهوم التقدم ومفهوم التاريخ الواقعي، مثل شباك يسمح لشجر الورد بتسلق الجدار الأملس جدا : فالرياضة قد رسخت فكرة التقدم في أذهان الناس بكيفية أفضل مما يمكن أن يقوم به جيش من المعلمين والأساتذة والموظفين في المعرفة والثقافة.
وينسحب الأمر نفسه على الديمقراطية النيابية. ذلك أن شرعية السلطة المبنية على حساب الأوراق الموضوعة في صنادق الاقتراع في يوم محدد، بهدف تعيين الفائز إلى حين الانتخابات القادمة، هي سلطة جديدة تماما. لقد مورست السياسة طويلا، والناس يعتقدون مع القديس بول أن الله يمنح الشرعية (يعطي الله السلطة والقوة لمن يشاء) أو معتقدين مع ميكافيلي أن السياسة تتأسس على السلاح والخـداع، أو مع جان جاك روسو أن الشعب الثائر هو الذي يمنح للسياسة حقها وقانونها. أما اليوم، فصندوق الاقتراع هو الذي يعطي السلطة الشرعية؛ إذ شطبت الأوراق الصغيرة الآلهة والأمراء والأجناد، ودكت الحصون والقلاع. وما على الآلهة والأسلحة والثورات إلا أن تنتظر الاقتراع القادم. وهذا التصور الجديد للسياسة يبدو منطقيا وعاديا جدا، وهو ما تؤكده الرياضة بكيفية أعمق مما تقوم به السياسة نفسها. ولا مجال للشك في أن الرياضة تربية شعبية جيدة رسخت في الأذهان فكرة الديمقراطية الانتخابية بتكريسها لطهارتها- نقاوتها المماثلة عبر تكرار فرجة المبارايات والأهداف المسجلة وفق القانون، ومباراة الذهاب والإياب، والأشواط الأول والثاني، وغيرها. وقد صارت الرياضة هي الخطاطة الذهنية للديمقراطية الانتخابية، لدرجة أن الأخيرة تبنت اللغة الرياضية. “يتم نقل محاولة الدور الأول” إلى الدور الثاني، والكاتب العام لأحد الأحزاب يعلن أننا لا نغير “الفريق الذي ينتصر” وأحد المعلقين السياسيين ينعت خطابا رئاسيا بأنه “ضربة قاضية”، وغالبا ما يتم الحديث في الانتخابات عن “الجولة الأولى” والثانية إلخ.

إيف فارگاس

تــرجمــــة : عبد الجليل بن محمد الأزدي / بلعز كريمة

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.