كتاب.. الرياضة والسياسة والفلسفة العقل السليم في الجسم السليم؟! (1)

حرر بتاريخ من طرف

فلسفة

صورة معبرة عن الفلسفة

ناصية التقديـم

تشكل الرياضة بتنويعاتها أكثر المجالات استقطابا للناس، بدءا من لعبة الملوك، الگولف، وصولا إلى المستديرة الساحرة التي تلتف حولها الجماهير في مشارق الأرض ومغاربها، وفي بلاد السيدة المرحومة ديانا، كما في بلاد السيد نيلسون مانديلا. والاتحاد الدولي لكرة القدم أكثر قوة ونفوذا، سياسيا واقتصاديا، من هيئة الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي وبنك باريس، أخذا بالحسبان عدد الدول الأعضاء فيه، وحجم الأموال الطائلة التي تروج وتدور في الملاعب وداخل كواليسها وحواليها، والتي تستثمر كذلك في صناعة وإنتاج ثقافة كرة القدم، وعموم ثقافة الرياضات. فما دلالة ذلك؟ تنهض بين الرياضة والمال علاقة فاحشة وشائنة وفاضحة كما هو معلوم. وتشكل الإثارة الاصطناعية أو تناول وتعاطي المنشطات نقطة العلاقة المفصلية بين الرياضة والطب. فهل توجد علاقة بين الرياضة والسياسة؟ وما طبيعتها؟ وما قول الفلسفة عموما، والفلسفة السياسية تخصيصا، بصدد هذه العلاقة؟ وكيف تحضر الفلسفة، وفلسفة الأنوار تحديدا، في الرياضة؟…
من الأكيد أن الرياضة ضرورية. غير أن ضرورتها لا ترتبط بالفرجة والمتعة والصحة والعضلات القوية المفتولة والجسم السليم الذي ما فتئت الحكمة المكرورة تؤكد أنه شرط العقل السليم، وإنما ترتبط ضرورتها بالحقل الفكري- النظري أو لنقل إن مجال الأفكار هو ما شكل التربة التي أينعت فيها إمبراطورية الرياضة وخُصِّبَت وتتخصب فيها على الدوام ضرورتها.
ولاشك أن الرياضة فرجة تحض على التفكير؛ وليس الغرض منها التضليل أو التنويم أو التجهيل أو تكريس اللاتسييس والعزوف السياسي، وإنما هي طريقة نموذجية في التربية السياسية. وفي الإمكان التوكيد استباقا أن كل من يعتقد في / ويؤمن بالاقتراع أو الانتخاب كوسيلة شرعية وحيدة لتملك السلطة والحفاظ عليها يمكن اعتباره رياضيا بامتياز. والقصد من ذلك التشديد على وجود علاقة وثيقة ووطيدة بين الرياضة والنظام السياسي الديمقراطي الليبرالي. وبمقتضى هذه العلاقـة، تنهـض الرياضة كخـزان أو مستودع تتصادى فيه وتَرِنُّ العديد من المشكلات التي تترجم إلى لغة رياضية لتجد بعد ذلك حلولها الرمزية داخل الملاعب. ومن أمثلة هذه المشكلات استعمال المال القَذِر والعنف وتعاطي المنشطات وطغيان تحطيم الأرقام القياسية … وغيرها من الأمور التي تبدو رياضية في ظاهرها، في حين أن عللها وأسبابها توجد في مقام آخر غير ماتقدمه الرياضة بمسحة البداهة، أي في مقام السياسة.وفي سبيل إدراك طبيعة العلاقة بين السياسي والرياضي، بين الرياضة والنظام الديمقراطي الليبرالي، يوائم فحص بعض المشكلات المثارة آنفا، وخاصة منها ما يهم علائق الرياضة بالمال وبالعنف وبتعاطي المنشطات، ثم علائق فكرة التقدم، وهي مقولة جوهرية في فلسفة الأنوار وفي النظام الرأسمالي، بهوس obssession تحطيم الأرقام القياسية؛ وأخيرا ضرورة وإمكان الرياضة بصفتها جزءا من الثقافة الشعبية، وفي ارتباطها بسيرورة نمط الإنتاج الرأسمالي وأشكال الدولة المترتبة عنها، بدءا من الدولة الليبرالية في القرن التاسع عشر ووصولا إلى دولة الحق والقانون المبتغاة، مرورا بأنماط الدولة التوتاليتارية التي عرفها القرن العشرون (الشيوعية، النازية، دولة الحزب الوحيد والشخص الأوحد…).

وجُماع القضايا المفصلية المثارة هنا باقتصاد أكيد، هي ما يشكل تحديدا محاور الكتاب الراهن الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي إيڤ فارگاس في أفق استكمال وتوسيع ومراجعة العديد من الفرضيات والأطاريح والقضايا القائمة ضمن سطور العرض النسقي والمنظم الصادر عام 1992 تحت عنوان : بصدد الرياضة. وبقدر ما تعود أهمية هذا الكتاب إلى مؤلفه، فإنها ترتبط علاوة على ذلك بطرافة موضوعه وباللغة التي صيغ فيها.
ومن المعروف في الأوساط الفلسفية الفرنسية والأوروبية أن السيد إيڤ ڤارگاس مثقف موسوعي وفيلسوف راكم رأسمالا رمزيا محترما في الحقلين الجامعي والفلسفي؛ إذ هو مؤسس ومدير سلسلة : فلسفات، ضمن المنشورات الجامعية بفرنسا، ورئيس مجموعة الأبحاث والدراسات في المادية العقلانية والمشرف المساعد على معجم جان جاك روسو. وقد نشر الكثير من الأبحاث حول الفلسفة المادية والماركسية والحركة الشيوعية وج. ج. روسو الذي شكل مجال تخصصه. وفي هذا السياق أثت المكتبة الفلسفية بالتحف التالية : حوار داخل الحزب الشيوعي الفرنسي (1978)، الحزب الشيوعي الفرنسي والمدرسة من 1945 إلى 1978 (1979)، المعجم النقدي للماركسية (1981)، روسو – الاقتصاد السياسي (1986)، بصدد الرياضة (1992)، مدخل إلى إميل روسو (1995)، روسو – لغز الجنس (1997)، العراق : الحرب والحصار والأكاذيب والفيديو (1999). النزهات المادية لجان جاك روسو (2007)، طريق دمشق (2007). وينضاف إلى ذلك العديد من المداخلات والمقالات والمصنفات الجماعية.
ومن اللافت في الكتابات المنوه بها سابقا أنها منتظمة الموضوعات حول روسو والفلسفة المادية والعالم العربي، وأسماء هذه الموضوعات والمجالات هي نفسها المفاتيح الجوهرية للبناء الفلسفي- النظري الذي شيده إيڤ ڤارگاس.
وضمن هذا البناء، تشكل الرياضة موضوعا طريفا وغير مسبوق. وعلاوة على هذا السبق النظري والتاريخي، تقوم طرافة الكتاب في شكل معالجته لموضوعة الرياضة؛ إذ يصلها بتاريخها الواقعي ويبحث في علائقها بالسياسة الديمقراطية الليبرالية وبفكر الأنوار الفرنسي، وبالصيدلة والكيمياء والمنشطات والأموال القذرة. ومن ثم، يفتح شهية الفلاسفة على الرياضة، وشهية الرياضيين على الفلسفة، وشهية القراء على الفلسفة والرياضة معا.
وقد استتبع موضوع الكتاب وطريقة معالجته، استعمال لغة مفتوحة وتنسيبية تتلاءم مع وجهة النظر المادية العقلانية التي تقرأ الرياضة في مقامها المجتمعي- التاريخي، وتنظر في هذا المقام إلى وجود الرياضة الضروري الممكن، بصفتها مكونا من مكونات الثقافة الشعبية في الزمن الديمقراطي اللبرالي. تدور في الكتاب وتروج لغات الرياضة والتاريخ والسياسة والفلسفة. وتشكل اللغة الفلسفية الممفهمة مهيمنة هذه اللغات، وتتدفق في دروب البساطة والوضوح، أي في دروب التعقيد، وهو ما لا يعني الاستغلاق والغموض.
ولا مجال للريب في أن الآراء والأطاريح القائمة في أوعية هذه اللغات، قد تثير، وهي تثير فعلا، الكثير من النقاشات التي من شانها أن تغنيها وتضيف إليها كفاءة وعمقا وتمنحها فائدة إضافية؛ بل إن شكلا من النقاش قد يأتي حيويا ويرقى إلى مستوى السجال، في حدود ما تسمح به اللياقة، خاصة فيما يهم الشك والتشكيك في صحة النوايا المرتبطة بمعركة “مناهضة المنشطات” التي لا تزال تشكل طوطما رياضيا عند العموم، أي أنها-ككل طوطم- تشكل موضوع الدعابات والمسارات في الظلال والهوامش ومقاهي الرصيف.
وختاما، فهذا الكتاب جدير بأن يهدى لجميع من يهتمون بالرياضة. وكذا إلى من يناصبونها العداء. وإلى من يحبون الفلسفة ويشتغلون بها، وكذا أولئك الذين يحاربونها وينتصرون للظلام والإظلامية ضد الأنوار والتنوير.

إيف فاركاس

ترجمة وتقديم

د. عبد الجليل بن محمد الأزدي و ذة. بلعز كريمة

مراكش- وهران

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.