من الحكي عن الديمقراطية إلى خنق الثورات وعودة الجيوش للحكم وانهيار الدول

حرر بتاريخ من طرف
abdellatif zaki عبد اللطيف زكي
هنالك من يتحدثون عن الديمقراطية وهناك آخرون يمارسونها ولو بمقاربات مختلفة وبتفاوت في مناهج تطبيقها. حتى لا أطيل ويكون كلامي بالواضح أكثر منذ البداية نحن، أي ساكنة منطقة مابين المحيط وجاهلية ما وراء التاريخ،  أناس نحكي ونتحدث ونتمنطق في الديمقراطية والواقعٌ أنه لا طاقة لنا ولا استعداد عقلي ولا نفسي ولا ثقافي لأدنى شروطها كما أننا أقل جاهزية مما يجب بكثير لقبول ما ينتج عن الدمقراطية من مسئوليات ومن واجبات علينا ومن حقوق ومن مساوات بيننا والآخرين ولو كانوا أقلية ومن إزالة للامتيازات التي نربطها بالمراتب الإدارية والسياسية والمهن والفوارق الاقتصادية والاجتماعية وبالأنساب والإنتماءات القبلية والدينية وما إلى ذلك مما يجعلنا قبائل وشعوباً متفرقة في نفس البلد والوطن نتقاتل ونتحارب ونتنابز بالألقاب.
أول شروط الديمقراطية الأهليةُ لها فهي تُستحق وتُنال بالفوز على الجهل وعلى الرجعية الفكرية والذهنية وترشيد العقل وتحكيمه في كل ما يهم الإنسان ويؤثر في حياته اليومية وفي أنشطته الإقتصادية وعلاقاته الإجتماعية مع غيره كما أنها لا تحصل والناس لازالوا يقبلون بالذل والمهانة والاستغلال وبأن يأخذ غيرهم القرارات التي تهمهم وهم غياب ويطبقها عليهم وهم غير عارفين بذلك أو أن يستسلموا لمن استقوى عليهم بالبهتان وبما أنتجه خياله من سلطةٍ يفرضها عليهم بأنها لا بديل عنها وبأنها لا يُعلى عليها وبأنها نهاية التفكير والرشد والتشريع وبأنها تربطهم بما ليس لهم الحق في تفنيده أو التشكيك فيه أو مساءلته.
الديمقراطية لا تقبل بما هو نهائي وما لا يُطبَّق عليه الفكر والنقد والحكم بالزوال كما لا ترض لإنسان أن يخنع لآخر أو أن يخضع لقانون لم يصنعه بنفسه ولا يستطيع الطعن فيه بما اتفق عليه من مناهج ومساطر. الدمقراطية استعداد ثقافي ومواقف شخصية وصيرورة تاريخية وقطيعة مع مخلفات العبودية وتكسير لبنيات الاستغلال  قبل أن تكون مجموعة من الآليات والأدوات التقنية يضبط بها سلوك الناس والمؤسسات التي يحكمون بها نفسهم ويسيرون بها شؤونهم العمومية.
الدمقراطية لا ترض أن يُلجم فيها شخص أو أن يُحد من حريته في التعبير والنقد والتحليل المخالف أو أن يسجن لأغنية وللحن يودعهما آلامه ويشاطر بهما أصدقاءه أحزانهم وآمالهم وتطلعاتهم ولا أن يحد من حقه في اقتراح بدائل لأنماط الحكم وتدبير شؤون الناس العامة والخاصة وشروط توزيع خيرات البلاد ومداخيلها عليهم ولا للعمل على إقناع الآخرين بسداد رأيه ودعوتهم للعمل معه لتحقيق بدائله مهما كان هذا الرأي إلا أن يكون فيه نفي للآخرين ولحقوقهم.
الدمقراطية تعني كذلك أن توضع الثقة الكاملة في الأشخاص وفي المؤسسات كل يقوم بما هو أهل له وبما وُكل إليه وأن يُتبع بالمحاسبة والمساءلة في حدود مسئولياته. لما تقتنع ولو ببعض من هذا أو نتوفر على القليل من بوادره نعود للحديث عن الدمقراطية وللنظر في كيفية ملاءمتها لنا وفي الآليات الأنسب لتحقيقها لدينا.
أما ما نسمع به وما نراه من حولنا فلا علاقة له بالديمقراطية بتاتا إذ أن الرؤساء ينتخبون بأدوات الدمقراطية وعلى أسس نفيها  ويزاحون بالجيش وآخرون ينتخبون والبلاد في حالة حرب أهلية قد يكون معترف بها أو غير معترف فتثور عليهم القبائل والجماعات وتحتل أكبر المدن في أيام معدودة وتنهزم جيوشهم وتخر وتفر تاركة وراءها سلاحها وبدلها  ثكناتها والمدنيين الذين كانت مسئولة عن حمايتهم لقمة صائغة لهم يلهون فيهم ويرتعون فينادون على الأجانب أن عودوا انقذونا بعد أن فككتم مجتمعنا ومؤسساتنا وأحرقتم أراضينا وشردتم علماءنا وهدمتم جامعاتنا وقتلتم الأنفة والنبل فيمن أبقيتم عليهم منا.
لا علاقة والمحاكم تقضي بإعدام المعارضين وبسجن آخرين لعشرات السنين وبمنع النقد. الغناء وبإقفال قنوات التعبير الحر. لا علاقة وكبار الجيش يتحولون قبل أن يرتد للشعوب الثائرة طرفها إلى مدنيين يجمعون بين أيديهم كل السلطات كأن تغيير الزي يغير من واقع الأحوال ! لا علاقة والمحاكم تحت إمرة مؤسسات لا قبل لها بالعدالة والعدل والنزاهة وكثير الحكام تحت إمرة جهات أجنبية تربوا في أحضانها ليس لهم من ولي لا نصير غيرها.
لا علاقة للدمقراطية بما لدينا والوزراء لا زالوا يعينون مواليهم في مناصب ضداً على ما جرت عليه الأشياء وما نصت عليه القوانين وأن الحكومات يجمَّع وزراؤها وتُخوَّل لهم الصلاحيات  وتُسحب منهم  ورؤساؤها نيام ووالوزراء يعينون مستشارين ومسئولين كبار لا خبرة لهم ولا أقدمية ولا عهد لهم بما حشروا فيه٠ لا علاقة وكل حكومة رسمية إلا وهي صورية فقط تؤتث الواجهة وتشغل الشاشات لما تؤخذ القرارات الحقيقية وتنفذ في البلاطات التي يدار فيه الحكم وتباشر فيها السلط الحقيقيين.
أية علاقة وآخر ما سمعناه علناً في إحدى تلفزاتنا الرسمية من سياسيين ومسئولين في أحزاب تمثلنا في برلماننا بأن أكثرهم مدعومون بأموال قذرة وحرام كما سمعنا على الهواء إنسانة قدمت للمشاهدين وكأنها من كبيرات فن التمثيل تقول بأن أملها أن تثوب ويغفر لها بعد أن تحج وتقلع على تعاطي فنها كما سمعنا رجالا ونساءً يعدون على زمرة المتعلمين ينكرون مفهوم المساوات  والتساوي بين الجنسين ولا يرون مانعا في تعدد الزوجات.
 إن مجتمعا فيه مثل هذه الحالات والأوصاف لا يمكن حتى أن يتحدث عن الدمقراطية وهذا في حد ذاته ليس عيبا ولا عاراً ولا يحط من قيمته ولا يضعه في مستويات دونية حيث قد يكون مجتمعا مختلفاً اختار أن لا يدمج مصطلح الدمقراطية وأسسها الفلسفية في ثقافته السياسية وعاداته الإجتماعية لأنها لا تناسب أنماط العيش فيه وتتنافر مع مكونات مخيلته الجماعية وتتناقض مع قيمه وتتعارض مع إرثه الثقافي وخاصيات بنياته العقلية ومقوماته الحضارية. ليس من العار أن لا تكون الدمقراطية أساس الحكم في بلاد ما وأن لا تكون ثقافتها الاجتماعية سائدة بين الناس. العار كل العار، بل الجرم،  هو أن يفرض على الناس نظام حكم لا يرضونه يفرق بينهم بالإمتيازات حسب ألوانهم ولغاتهم وأعراقهم ودياناتهم ومعتقداتهم وأموالهم وولاءاتهم وأجناسهم ونوعهم الاجتماعي. كما أنه عار، بل إجرام في حق شعب، بأن لا يأخذ نظام الحكم فيه برأيه وأن يسود فيه بالظلم واحتقار الضعيف والفقير والأقليات يحرمون فيه من شروط كرامة العيش ويمنعون من التعبير الحر على آرائهم بلغاتهم الأصلية ومن اختيار نهج حياتهم كما يريدون ولا توفر لهم المدارس والمستشفيات والطرق والسكن اللائق والقوت اليومي والماء الصالح للشرب والكهرباء والملبس والمدفأ حيث يسكنون ولو بعد عن المراكز السكنية الكبرى وأن يفرض عليهم الضرائب و الزيادات في الأسعار دون استشارتهم وضمان حماية قدرتهم على تلبية حاجياتهم وحاجيات ذويهم وبعض رغباتهم، هذا يكون عارا وجرما وليس القول بالديمقراطية أو بغيرها أو عدمه.
من حق أي شعب أو دولة أن يختار غير الدمقراطية نظاما للحكم لكن لا يحق لأحد أن يتصرف في قدر أحد آخر وكأنه إلاهه الذي خلقه أو أن يحتكر خيرات بلاده ويتمتع بها لوحده ولا يترك للعامة إلا الفتات يوهمهم بأنه ما كُتب لهم أو أن يُنصِّب نفسه واضعا للقانون لما يشاء وحَكما وقاضيا وشاهداً ومطبقا للأحكام ومتحدثا باسمهم ونائبا عليهم وحده يعرف ما فيه خيرهم ومصلحتهم  وما يضمر الشر لهم مهما كانت أسباب ذلك ومصادر تأويلاته ومبررات مشروعيته ثم يحاسبهم لما يحتجون أو يطالبون بشيء من الإحترام والتقدير لمصالحهم وحاجياتهم. كما أنه ليس من حق أحد أن يزور على أحد أو أن يَنْفَق بصوته أو يصادر كلمته ويقوِّله ما لم يقل.
  هذا يكون عارا ومُحطاً من قيمة الدول وأنظمة الحكم وإجراماً ضد الشعوب سُمِٰي ما سُمي وأطلق عليه ما أُطْلِق من مصطلحات.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.