“أنا صديق الملك”، حجة سلطة أم سلطة حجة؟

حرر بتاريخ من طرف

ملك1

 

محمد بوبكري
يبيح بعض الأشخاص لأنفسهم إعلان كونهم ” أصدقاء للملك” في مختلف المنابر الإعلامية. وقد كان آخر من فعل ذلك السيد نور الدين عيوش في اللقاء الذي جمعه بالمفكر الأستاذ عبد الله العروي حول “التدريس بالدارجة” على شاشة القناة الثانية. وبعد تأملي في هذه العبارة، تبين لي أنه حين يعلن أحدهم عن نفسه “صديقا للملك”، فإنه يُنَصِّب ذاته شخصية عمومية، ما معناه أن المغاربة الآخرين أعداء الملك أو خصومه أو بعداء عنه…
للملك مستشارون ومساعدون ووزراء يمثلون وظائف الدولة. أما أّصدقاؤه فينتمون الى الدائرة الخاصة به وليسوا شخصيات عمومية. وحين يقول أحدهم: “أنا وزير في الحكومة”، فإنه لا يمس علاقة الملك بالمغاربة الآخرين لأنه يعبر عن دور سياسي وإداري يقوم به… أما حين يعلن أنه “صديق الملك” فإن في الإعلان إساءة الى الملك لأنه حينئذ ينقل الخصوصي إلى دائرة العمومي.
كما أن الصداقة تكون بين شخصين معينين، ولا تكون بين شخص ووظيفة أو مؤسسة. فالمُلك مؤسسة ووظيفة يتولاها شخص، ما يعني أنه لا يمكن أن يكون أحد صديقا للدور أو الوظيفة أو المؤسسة، إذ يمكنه أن يتعامل مع صاحب الوظيفة لا أن يتصادق مع وظيفته المؤسسية، حيث يمكن أن يكون فقط صديقا للشخص صاحب الوظيفة. لذلك، حين يعلن أحدهم أنه “صديق الملك”، فإنه يخلط بين الشخص وبين الوظيفة والمؤسسة، لأن المُلك مؤسسة لا يمكن للمرء أن يكون صديقا لها، وإذا حدث الخلط بين الشخص والوظيفة والمؤسسة، فإن ذلك يلحق الضرر بالشخص وبالمؤسسة والوظيفة في آن واحد. لذلك، فمن شأن ادعاء الصداقة مع الملك أن يسيء لشخص الملك وللمؤسسة الملكية، لأنه يُجازف بتجريد الملكية من خاصيتها المؤسسية وإخراج حيز من المجال الشخصي للملك، باعتباره شخصا له حياته العائلية والشخصية التي يملك فيها حرية اختيار ما يشاء من الأصدقاء، إلى الحقل العمومي الذي يشكل فيه الملك نفسه رمزا ومؤسسة لها اختصاصات وتؤدي وظائف، وتربطه بعموم الشعب التزامات…
إضافة إلى ذلك، تدل الاستعانة في الخطاب بالصداقة مع أحد المشهورين، المنقوضة منطقيا كما قدمنا، على ضعف القوة المنطقية لمن يقول بهذه الصداقة، إذ يجب أن يقوم الإقناع والدفاع عن القضايا على براهين وحجج مستقلة عن أوضاع المتكلمين. أما حين أستدل على صواب كلامي بكوني “صديقا للملك” او لأحد المشهورين، فإنني ألجأ إلى استعمال “حجة السلطة”، الأمر الذي يكشف عن ضعف جهازي الإقناعي.
وتختلف السلطة في هذا المجال وتتعدَّد تعدُّدا كبيرا، إذ يمكن أن تكون مجردة، كأن تكون «إجماعا» أو «رأيا عاما»، أو تنتمي إلى أشخاص لهم وضع اعتباري متعدد الجذور والانتماء، كالساسة والعلماء، على سبيل المثال. كما قد تكون مرتبطة بحقل بعينه كالفيزياء أو مذهب ما… وقد يعتمد الحِجَاج بالسّلطة على ذكر أشخاص معينين على أن تكون سلطة هؤلاء معترفا بها من قبل جمهور السّامعين والمشاهدين… لكن الحِجَاج لا يستقيم إذا كان قائما على حجة السلطة، إذ ينبغي أن يقوم على مبدأ سلطة الحجة. وتصنف “حجة السلطة”، أو “حجة الاحترام”، ضمن المُغالطات المنطقية الشائعة في ثقافتنا، حيث يعتمد المُغالط في إثبات حُجته على واقع اعتقاد شخصية مشهورة في رأيه، مما يجعل رأيه صائباً. كأن يُقال: “فلان زعيم حزبي ذكي، لأن أستاذا جامعيا معروفا يقول بذلك”. ووجه المُغالطة أن رأي الأستاذ لا يحمل قيمة حقيقةٍ لذاته، وإنما لوضعه الاعتباري، وهو «أستاذ»، بوصفه شكلاً من أشكال السلطة. فهذه ليست حجة منطقية، لأن أحقية الأستاذ في تكوين رأي لا تزيد كما لا تنقص عن أحقية أي شخصٍ آخر في تكوين رأي مختلف. وعليه، فإن حجة السلطة تسقط في كل نقاشٍ منطقي.
يشبه الذي يعزز حججه بذكر صداقته لرمز أو شخص مشهور محطة التلفزيون التي تصدر برامج الرأي بأوانس جميلات، فيُتخذ من جمالهن حجة على صواب الاتجاه الذي تدعو القناة المنتجة للبرنامج والباتة له. وهذا يشبه أيضا ما جرت عليه العادة في بعض الكنائس، إذ يعمد الكاهن، للتدليل على صواب خطابه ورجاحة أفكاره وحججه، إلى ارتداء طيلسان مزخرف وقلنسوة عظيمة، كما يعتمد على جلال عمران كنيسته وفخامة التيجان الموضوعة فوق رؤوس الكهان الخ. فالحجج في هذه الأحوال تكون حججا بلاغية سفسطائية فاسدة، تسيء لمن يوظفها ولمن يُستعان بإقحام اسمه فيها واتخاذه دليلا على صوابها في آن…
فضلا عن ذلك، فمن يستعين بأسماء المشهورين يستغبي الجمهور المخاطَب ويسيء إليه، إذ يعتقد أن حيلة القرابة الصداقية بالرجل المشهور ستنطلي على عامة الناس، بل وربما حتى على خاصتهم. وبذلك، فهو يصطاد في الماء العكر، لأنه ينسى أن أغلب المواطنين البسطاء قد تطورت مداركهم نسبيا بفعل الثورة المعلوماتية وانتشار القنوات الإخبارية وكثرة برامج “التوك شو” “Talk show” التي جعلت المواطن البسيط في مستوى عِلِّية القوم من جهة إدراك ألاعيب الحوار ودقائق الخطاب السياسي… لقد انتهى عهد الجهل التام بالسياسة التي كان الإلمام بها مقصورا على الخاصة، حيث بدأ البسطاء ينفرون من – ويلفظون – كل خطاب ذي نزعة بلاغية سفسطائية.
انسجاما مع ما سبق، يبدو لي أن قائل عبارة: “أنا صديق الملك” يسعى إلى الاختفاء وراء الملك لكي يتحلل من أي رادع أو وازع أخلاقي من أجل أن يحمي مكاسبه ويجعلها مشروعة، ما يُعد تجاوزا للقانون واستهتارا به، وتجاوزا على المصلحة العامة وإسكاتا لكل أصوات الاحتجاج ولجما للإرادة الشعبية وتزويرها وتحويلا للناس إلى قطيع…
فوق ذلك، تتضمن هذه العبارة تحايلا على المؤسسات من أجل توظيفها لتحقيق مصالح شخصية لا علاقة لها بالمصلحة العامة. كما أن الغرض منها هو تخويف المواطنين عبر إيهامهم بأن قائلها قد أصبح مؤسسة دستورية يلزم احترامها…، وهو ما يتعارض مع الدستور. أضف إلى ذلك أن هذه العبارة تعكس عدم اقتناع كل من يقولها بالديمقراطية، كما أنها تنم عن رغبته الجامحة في التحدث باسم المؤسسة الملكية وتوظيفها لأغراضه الخاصة، ما قد يسيء إليها.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.