كانْ يا مَا كانْ !!

حرر بتاريخ من طرف

محمد طروسtarous

يتنفحون. يستفحون. يتنافحون. يقضون يومهم الطويل في النفح والاستنفاح. يتبادلون الكثير من العطاس والخوار.. الكثير من الراوائح الخفية.. الكثير، الكثير من الكلام. يعطسون. يتعاطسون. يتباهون بجودة المتنوج المخزون في علبهم البلاستية. علب فقدت وظيفتها. تحولت من مادة للدواء المقطر إلى آلة جهنمية. يقال إنها ذات مفعول سحري في  محاربة السكري وضبط الجهاز العصبي. يسخر أبا عبْسلام – كبيرهم الذي علمهم العطس- من العلب وأصحاب العلب. من زبناء الرداءة، من ادعاءاتهم الزائفة. يُخرج جعبوفته الفضية. جعبة بلوطية الشكل، مقمقمة من الجانبين، منتفخة من الوسط، مزركشة بخطوط وأشكال فقدت دلالتها الأيقونية مع الزمن. يفتح “ابا عبسلام” قمقمه السحري. يخط سطرا من نفحته الخضراء المسودة، على ظهر يده اليسرى المجعدة. ينظر باستعلاء إلى نفاحي آخر الزمان. تنحدر عيناه نحو سطره الكثيف. يتجه أنفه بحركة لا إرادية نحو السطر. تنفتح ثقبة أنفه اليمني. تمتص نصف السطر. تنفتح ثقبة أنفه اليسرى. يختفي ما تبقى من السطر. تدمع عيناه. يتصاعد التبغ إلى دماغه. يشعر بالانتشاء. يبتسم الشيخ الثمانيني. يسخر من تراكم السنين دون أن ينال منه السأم أو الملل. يرتمي – كالعادة- في ذاكرته المتقادمة.

يستخرج حكايات لا يتوقف عن سردها. يستعيد الرفاق مقاطعها. يذكرونه بتفاصيلها. يحكونها، أحيانا، نيابة عنه. يتماهون. يذوبون في بطولاته الخالدة. يقتطعون أوقاتا لحكي حكاياتهم الصغيرة، المستهلكة أيضا. الكل يعرف حكايات الكل. الكل يعيد إنتاج حكايات الكل. تستمر الحكاية في تكرار ذاتها. ينغرس الرواة في مقاعدهم. يتبادلون الأدوار في نفس الحكايات. حرب الرمال. عام الْبُونْ. عام الجوع. عين عايْشة. الجلاء الوهمي لأمريكا من القواعد العسكرية المغربية. الحرب الهند صينية. الجينرال دوغول. المهدي بن بركة. الجينرال أوفقير. الماريشال قيبو.الحاجة الحمداوية، أحمد البيضاوي، أحمد الغول، عايشة قنديشة. أسماء وأسماء. شخوص، تخيلات، أمجاد، بطولات. يشبعون كلاما. يشبعون صراخا واستنساخا لذواتهم. يتنفاحون. يعطسون. يتعاطسون. ينتصرون على الزمن. يتباهون. ما أروع أن يجد الصغير، الحقير، المنبوذ، موقعا داخل الحكاية. أن يفجر عنفه، إحباطاته، انكساراته الأزلية في كأس شاي، في قهوة مكسرة، في صباح زائف ..عابر.

تُسمع أصوات، هتافات، أناشيد وشعارات. تأتي من مكان غير بعيد من فضاء الحكي. تُنتشل المجموعة الساردة من سجن الذاكرة المهترئة. تمتد آذانهم المتعبة لالتقاط حكاية جديدة. تأتي الأخبار تباعا. الرواة متنشرون في الشارع الخلفي. شارع المسيرات الاحتجاجية. رياضة جديدة قد تدخل يوما في المسابقات الأولمبية. قيل إن ثلاث مركزيات نقابية قد جمعت ما تبقى من فلولها لتقوم بمسيرة يائسة. قيل إن المركزية النقابية الرابعة انسحبت. آثرت أن تخوض المعركة لوحدها. قيل إنها عجزت عن تعبئة الحمير كما فعلت في ملحمة الزعيق والنهيق. قيل إن المركزيات الثلاث قد قررت إسقاط الحكومة، كحل نهائي وأخير، بعد إصرار الحكومة على إفشال الحوار الاجتماعي. قيل إن النقابات الثلاث تستهدف رئيس الحكومة، ترفض استفراده وهيمنته على اتخاذ القرارات. قيل إنها لم تكن لتخطوَ هذه الخطوة، لولا تردي الأوضاع، لولا تدني القدرة الشرائية للمواطنين. قيل إنها مسيرة سياسية تآمرية تسعى إلى عرقلة الجهود الإصلاحية الكبرى. قيل إنها مسيرة سلمية، سلبية، محكومة بإيقاع خطوات زعمائها العحزة، العاجزين عن السير، عن التفكير، عن نفخ روح الحياة في الجسم النقابي المحنط. قيل وقيل .. وقيل.

يُستفز الرواة  والحكاة، والمستهلكون. يجندون آلياتهم لاستقبال الأقاويل. لتحليل الأخبار. للهضم والتمثل وإعادة البناء. يتعاملون مع الحدث بالكثير من الحذر والترقب. ِيؤثرون التريث. يبحثون عن زاوية، عن منفذ، عن ذريعة لإعادة بناء الحكاية الجديدة. لامتلاكها. للتموقع داخلها. لا شيء ينبغي أن يخرج من لعبة الحكي، أن يفقد المجموعة بطولاتها الخرافية، أن يُنزل ‘ابا عبسلام من عرشه الأزلي. يبادر “السي لمطالسي” إلى الحديث. لا يجد أدنى صعوبة في تبرير تدخله. تعترف المجموعة أنه نقابي قديم، عانى من الطرد التعسفي، بعد أن قضى زهرة شبابه في الدفاع عن عمال معامل السكر، ليجد نفسه في زمرة الحُكاة المنبوذين المشكلين لجوقة ‘ابا عبسلام’، بدون تغطية أو تعويض رمزي على الأقل. هكذا كان يبني ذاته في المجموعة الحكائية، أو هكذا شبه لهم. يعلق النقابي المطرود: ” مسيرة نقابية احتجاجية في شهر أبريل؟ قد تكون كذبة إبريلية.” يضحك النفاحون. يواصل النقابي القديم بنبرة وثوقية: ”  أنا أعرف النقابة، والناقبين والمنقوبين، وأجزم بكل ما تبقى لدي من يقين، أن الأمر لا يعدو أن يكون تسخينات تقليدية، استعدادا للفاتح من ماي. هههههه. أعرفهم جيدا.” يتراجع ‘ ابا عبسلام’ إلى الوراء. يتخلى عن دور الراوي الأكبر. يعتبر الدخول في نقاش ظاهرة مكرورة ومألوفة نوعا من العبث، والفرجة الهزلية. لكنه لا يتكلم. يرمي أنفه فوق سطح يديه المعروقتين. يستنشق حتى الثمالة. تتراءى أمام عينيه الدامعتين حكايات قديمة. يبتسم ساخرا. يستغل ‘محماد الشلح’ صاحب البطن المنتفخ ضحكات المجموعة الساخرة. يفتح فماً منتفخ الأوداج: ” أنا لا فهم هؤلاء الناس. هل هي لعبة مدروسة، متفق حولها، لإثارة الفتنة وعرقلة الجهود الإصلاحية التي يُحكى أنها قائمة على قدم وساق؟” يستحضر “محماد” كل العبارات التي اعتاد سماعها. يبحث له عن موقع داخل الرقعة. ” مِن رأيي، ينبغي أن نترك للحكومة الموقرة الوقت الكافي لتنزيل برنامجها”. يتراجع في قرارة نفسه عن مفهوم التنزيل. يختلط الأمر لديه بين تنزيل الوحي وتنزيل البرامج السياسية. يحار في الجواب. يلتزم الصمت. يتدخل أستاذ الأدب، الذي لا يجد مصرفا لأفكاره في مكان آخر: ” أعتقد أن المسألة لا تعدو أن تكون مجرد أفعال آنية ظرفية، لا محل لها من الإعراب، في ظل سياسية طوباوية خالية من المعنى. الاحتجاج أمر محمود. دعوهم يحتجوا. نحن الرابحون. حكاية جديد تنسينا حكاياتنا المتقادمة.لا بد من التجديد. لقد سئمنا حكايات ‘ابا عبسلام’. ينتفض اباعبسلام. ينتفض الحكاة والرواة. يستعيدون حكايات قديمة لمسيرات احتجاجية طواها الزمان. يحل المساء. تستخرج المجموعة جعبوقاتها البلاستيكية والبلوطية. يستنفحون. يعطسون. تستعيد الذاكرة المهترئة قدرتها الفائقة على النسيان. يصبح الحدث الجديد، الحاضر، المستقبل، كل شيء في خبر .. كان.. كان يا مكان.

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.