المدرسة المغربية و سؤال التحديث

حرر بتاريخ من طرف

خليد القشطى

photo khalid                                                                                          

راهنت الدول المتقدمة و ما زالت على المدرسة لتحقيق التنمية الشاملة والرفاهية لمواطنيها ,وقد سطرت  لذلك نظاما تعليميا حداثيا و متجددا عبر الحقب و الفترات لمواجهة الطفرات الحاصلة و التطورات المتسارعة في عالم تطغى عليه التقنية في كل مناحي الحياة.                                                       

وتسعى المجتمعات التي توصف بالعالم الثالث – ومنها المغرب –إلى اللحاق بالركب و الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة ومحاولة زرعها في تربتها بغية الوصول إلى النهضة المنشودة ,غير أن زمن الفشل مازال صامدا ولايريد أن  يغادر…                                                                               

إن غاية كل نظام تعليمي حداثي هو بالدرجة الاولى,تكوين إنسان مرتبط بحاضره,إنسان على درجة عالية من الاستقلالية و المسؤولية واتخاذ القرار,متمكن من التفكير بمنهج علمي و قادر على المساهمة في إنتاج المعرفة المؤدية حتما إلى تحقيق التنمية المستدامة.فهل تحمل المدرسة المغربية مواصفات الحداثة فعلا؟وهل تتحمل لوحدها رسم عوائق التحديث أم تشترك مع أطراف أخرى في مراكمتها؟وماذا يريد المجتمع من المدرسة؟ أن تكون قاطرة للتحديث ام مجرد عربة بين باقي عربات التقليد؟                                

 من المؤسف القول إن المدرسة الوطنية مازالت حبيسة مقاربة تقليدية في مناهجها و برامجها من خلال تغييب ملكة العقل و طغيان سلطة النقل,ومازالت أساليب تعليمنا في جزء كبير منها,تعتمد الحفظ و الترديد و لا تشجع على السؤال والنقد والتحليل,وتختزل عناصر المثلث البيداغوجي  في ثنائي عمودي سلطوي-الأستاذ التلميذ-الشيء الذي يمنع تكوين العقل المنهجي و العلمي القادر على احتضان المعارف لبناء المعرفة. المدرسة تتفنن فقط في بناء الشخصية النمطية التي توجد خارج أسوارها,شخصية سلبية خنوعة و خاضعة.وهي بهذا تلعب دور آلة كبيرة لإعادة الإنتاج,إنتاج السلطوية التي تحكم المجتمع و نواته–الأسرة– والتي تلغي استقلالية الفكر و الإرادة والسلوك .                                             .                                                                     

 ثم أن تيارات التطرف المتعددة ( عقائدية, لغوية, ثقافية….) التي تتصارع داخل و خارج أسوار المدرسة تقف في وجه كل تحديث, ذلك إن العصبية و بكل أشكالها تلغي الإنسان الفرد صاحب الإرادة و الفكر المستقل و تعوضه بالفرد”المريد”الخاضع لإرادة الشيخ الآمر بكل تقليد و المانع لكل إبداع.لقد تحولت المدرسة إلى حلبة صراع طاحن في السر و العلن بين “الزوايا”الجديدة,هذا الصراع الذي لا يزيد كل مشروع تحديثي إلا تعطيلا , و تمتد شظاياه حتى تصل وللأسف إلى مهندسي المنظومة التعليمية,والذين بدل أن يحتكموا إلى العقل في صياغة نظامنا التربوي ,نجدهم ينحنون لضغوط هذه التيارات ليتوافقوا على مجموعة من البرامج ليس بينها كثير من الروابط,اللهم رابطة الترضية و جبر الخواطر,لنجد أنفسنا  أخيرا و بعد الكثير من الكلام و التجوال أمام اتفاق سياسي, ليس إلا , لا غارب فيه ولا مغلوب.             

  ولازالت المنظومة التربوية تعتمد على الأساليب و الوسائل التقليدية في تقديم المعرفة,رغم بعض الصباغات هنا وهناك ,أساليب لا تثير المتعلم و لا تخلق لديه أية حوافز في زمن ثورة التقنية الإعلامية ووسائل الاتصال وما يترتب عنها من سرعة انتقال للمعلومة, وسائل تسبح ضد التيار  ولا تزيد المتعلم إلا نفورا من المدرسة و احتقارا لها أحيانا نظرا لعجزها عن الانخراط في الشبكة العالمية لتكنولوجيا المعلومات.                                                                                                                   

 إن الحداثة مشروع متكامل وهوية مستقبلية و ليست برنامجا لتدبير المعيش اليومي ولا ترقيعا مستمرا لعجلات سير المنظومة التعليمية,وهذا يفرض القيام بنقد بناء و صريح و دون خطوط حمراء لمورو ثنا الثقافي ثم الانطلاقة منه برؤية موحدة و ثابتة لبناء المستقبل عبر منهاج متكامل ومترابط الأطراف يؤسس لبناء التفكير المنهجي القادر على التعامل بكفاءة عالية مع أسئلة الحاضر و المستقبل.                          

إن إرساء نظام تعليمي حداثي يمر حتما عبر الإيمان به  من طرف واضعيه و الذين يسهرون على تنزيله و المجتمع الموجه إليه , مما يستوجب القطع مع أساليب الماضي و إعادة النظر في تكوين العنصر البشري المكلف بحمل الرسالة و الاشتغال الجدي و العاجل على انخراط رجال التربية و التكوين في عجلة التحديث الفكري و البيداغوجي والتقني ,كما يتطلب تهيئ الفضاء القابل لاحتضان الحداثة,مما يعني بعث الحياة في المدرسة و جعلها فضاءا ديمقراطيا  يربي المتعلم على ثقافة الحوار و مقارعة الحجة بالحجة و احترام الرأي و ممارسة النقد وترسيخ الاستقلالية و المسؤولية و قيم المواطنة و حقوق الإنسان  , مدرسة منخرطة في مجتمع العلم و الإعلام,توفر لمرتاديها تفكيرا علميا مستنيرا ينمي مهارة التفكير الايجابي و الفضول الفكري و إنتاج المعرفة.إن بناء العقل المنهجي يتطلب إعطاء الأهمية للمواد العلمية  ورد الاعتبار لمواد الفكر و التحليل و التربية على الذوق السليم و قيم الإبداع الخلاق.                        

إن أزمنة الترقيع لا تريد أن تنتهي,كل الأجيال السابقة و اللاحقة عاشت في كنف هذا العبث المسمى”إصلاحا”,تعددت  التسميات و المصطلحات و النتيجة مصطلح واحد : “الفشل”.و اليوم ,أما آن لنا أن نتوقف قليلا لمراجعة الأوراق و إعطاء الطفل المغربي, الذي هو رجل الوطن غدا, الفرصة التاريخية ليعيش زمن  التربية و التعليم و ليس إصلاحه,زمن التحديث المنهجي البعيد الأمد.                                            

أملي….                                               

إقرأ أيضاً

التعليقات

  1. إذا أردنا إصلاح التعليم فعلينا الإهتمام بالأستاذ الذي يدرس الأقسام المشتركة وليست له منهجية ولا مناهج لهذه الأقسام .
    علينا أن نوفر له المراجع التي يتوكأ عليها لإعداد دروسه وإلا سيكون تعليمنا محكوما عليه بالإرتجال والعبثية من قبل المدرسين .
    علينا أن نوفر المرافق الصحية والماء الشروب قبل الوسائل الحديثة في مدارسنا للأطفال ، لأن المبادئ الأولى التي يتعلمها الطفل هي النظافة والنظام و الوقاية الصحية . علينا أن نوفر للأساتذة قاعات للصلاة حتى يبارك الله لنا في تعليمنا . لأنه لا خير في أمر يلهي عن الصلاة .
    علينا أن نوفر مدارس جماعاتية وأخرى بين القرى المتجاورة للتقليل من الأقسام المشتركة وتوفير الموارد البشرية .
    علينا أن نهتم بالتعليم العمومي من ناحية التكوين والمصاحبة والمراقبة التربوية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.