ما أرحب فضاء الإسلام وما أكثر الأسانيد التي يوفرها لذوي العقول النيرة من أجل التأسيس الإسلامي لقيمة المساواة !

حرر بتاريخ من طرف

في الكثير من الحالات، يحاول الفقه المحافظ، على مدى قرون من الزمن، أن يركز في أذهاننا فكرة مؤداها أن بعض القواعد محسوم فيها ولا يمكن أن تُمَسَّ أو تُناقَش أو يطالها تعديل أو إعادة قراءة، وأنها بمثابة صندوق محكم الإغلاق لا يملك أحد، من اللاحقين، أداة فتحه، وأنها ستظل حاملة للمعنى، ذاته، على امتداد السنين.
ومن هذه القواعد ما وقع ترتيبه من تفسير لقوله تعالى في سورة “النساء” : ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾. بينما هناك أسئلة مشروعة تفرض نفسها من قبيل : هل الحصة العائدة إلى المرأة، هنا، هي حد أدنى أم حد أعلى؟ ألم تكن الوصية هي الأصل ثم حاد الفقه عن هذا الأصل؟ هل تَمَّ الالتزام، دائمًا، بحرفية النص في قضايا الإرث من طرف كافة الفقهاء المغاربة، في جميع المراحل والظروف، أم تَمَّ الخروج عن ذلك تحت تأثير اعتبارات اجتماعية واقعية؟ ألم يكن الصحابة أنفسهم قد أسسوا لمنهج تقديم المصلحة (في المعاملات) على التفسير الحرفي وبلوروا فكرة “حيثما كانت المصلحة فثمة شرع الله”؟

وبمناسبة النقاش الدائر حول قضية المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى، نورد، في ما يلي، مقاطع من كتابات ثلاثة مفكرين محدثين انكبوا، خلال سنوات طويلة، على دراسة تراثنا الفقهي بعمق ورصانة وتوصلوا إلى إمكان التأسيس لفهم متجدد لتنصيص القرآن الكريم على أن ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾.

يقول الأستاذ محمد شحرور : “لقد بحثنا في فصل الحدود موضوع الإرث، وبينا أن آيات الإرث عبارة عن آيات حدودية لا حدية، ولعدم الالتباس قال الله بعدها ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله﴾، حيث أعطى الله للأنثى نصف حصة الذكر حدًا أدنى، وهذا الحد الأدنى في حالة عدم مشاركة المرأة في المسؤولية المالية للأسرة، أما في حالة المشاركة فتنخفض الهوة بين الذكر والأنثى حسب نسبة المشاركة وما تفرضه الظروف التاريخية” –الكتاب والقرآن –قراءة معاصرة – الطبعة العاشرة- 2011- شركة المطبوعات للتوزيع والنشر – بيروت – ص 602-603.
نستخلص من هذا الاستشهاد :
– أن منح الإناث نصف حصة الذكر من الإرث، في حالات محددة، إنما هو حد أدنى فقط، بمعنى أنه لا يمكن النزول عنه، لكن يمكن تجاوزه، وذلك بناء على بحث مفصل مَيَّزَ فيه ذ. شحرور بين الآيات الحدية والآيات الحدودية واعتبر آيات الإرث مندرجة ضمن هذا النوع الثاني؛

– أن رفع حصة الأنثى يخضع لمتغير المشاركة الفعلية للمرأة في الإنفاق على الأسرة ولما يمليه تطور الشروط التاريخية.

ويقول الأستاذ الحسن رحو، أستاذ علم المواريث بكلية الحقوق – جامعة محمد الخامس –أكدال- الرباط : “يبقى من المشروع (..) رفع تهمة اللامساواة في أحكام الإرث التي تلصق بالمسلمين بمناسبة أو بدون مناسبة، وذلك بأحد توجهين :

إما بالرجوع إلى الأصل العام القرآني كما فهمه الكثيرون والمبني على أن الأصل هو الوصية الاختيارية بحيث لا يصار إلى قواعد الإرث، والتي يرى البعض أنها في الأصل احتياطية، إلا في غياب وصية من صاحب المال، بحيث إذا مات صاحب المال دون أن يوصي لأحد بماله، كلا أو بعضا، اعتبر سكوته رضى منه بتوزيع تركته أو ما فضل منها بعد الوصايا حسب هذه القواعد؛ وهذا التوجه، بحسب اعتقادنا، قد لا يحقق عدلا بل ربما فتح الباب أمام تعسفات مرتبطة بثقافة تراتبية بحسب الجنس والسن.

وإما بفهم صحيح لمقاصد النص القرآني في ما يتعلق بالنصوص التي فصلت قواعد الإرث؛ وفي إطار هذا التوجه الثاني لا بد من التفكير آنيا وجديا في الآتي وفي غيره :
ألا يمكن اعتبار حظ الأنثى كما هو منصوص عليه قرآنيا، عندما يكون أقل من حظ الذكر، هو حد أدنى من النظام العام؟ بحيث إذا كان لا يمكن النزول عنه فلا مانع من تجاوزه في حدود عدم التفاوت لصالح أي من الجنسين دون مانع من إدخال كل اعتبار اقتصادي آخر لتفادي هذا الأمر”- الوجيز في أحكام الإرث وفق القانون المغربي بين إيحاءات النقل وإملاءات العقل- الطبعة الأولى- 2010- دار القلم – الرباط – ص 15-16.

نستنتج من هذا الاستشهاد :
– أن الأصل في القرآن الكريم، بالنسبة إلى الإرث، حسب الكثيرين، هو الوصية؛ أما القواعد المعروفة فإنما وُضعت لكي يقع اللجوء إليها، احتياطًا، في غياب الوصية. ويذكر ذ. رحو، مرارًا، أن الأغلبية الساحقة لتلك القواعد تدخل في باب تشريع الناس للناس وليس في باب تشريع الله للناس، ولكنها، مع مرور الوقت، فُهِمَت على أنها تدخل في الباب الثاني. هل يمكن حل إشكال اللامساواة في الإرث بواسطة العودة إلى اعتماد الوصية كأصل؟ هذا يحتاج إلى نقاش..

– أن قاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين” يُقصد بها أن تُمْنَحَ المرأة، على الأقل، نصف ما يُمنح للرجل؛ ولذلك فليس هناك ما يمنع من رفع حصة الأنثى إلى المستوى الذي تتساوى فيه مع حصة الذكر. وهذا يمثل نقطة التقاء الأستاذين شحرور ورحو في مقاربتهما للمسألة المطروحة، إضافة إلى تأكيدهما على ضرورة مراعاة تطور الأوضاع الاقتصادية وتوزيع الأعباء الأسرية بين الجنسين، وبناء اجتهاد يساير مجمل التحولات الفعلية التي يعرفها المجتمع.


 

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.