الجامعات الشعبية والحاجة إلى عودة الروح

حرر بتاريخ من طرف

اسماعيل الحلوتي  اسماعيل الحلوتي

أكيد أن المتتبع للشأن العام المغربي، يذكر جيدا ذلك الشاب الاتحادي: محمد الكحص، الصحافي المتميز والعضو السابق في المكتب السياسي ل”حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، المعروف بنشاطه وحيويته، وباجتهاداته الفكرية، وبثقافته الواسعة وتشبعه بالاشتراكية الديمقراطية، الذي ظل يشهد له الجميع بدماثة الخلق ونكران الذات، مما جعله يحظى بثقة جلالة الملك محمد السادس، ويعينه في منصب “كاتب الدولة المكلف بالشباب” في حكومة السيد: ادريس جطو خلال الفترة الممتدة ما بين:2002و2007، وعلى الرغم من أن القطاع كان يعاني من حالة الجمود، ويتخبط في بؤرة الفساد وقلة الإمكانات، فقد استطاع الرجل بحسه النضالي وإرادته السياسية، أن يضفي عليه لمساته الفنية ويبصم على عدة مشاريع وطنية من بينها: زمن الكتاب ومسرح الشباب، العطلة للجميع والجامعات الشعبية…

      وبالنظر إلى ما كانت تحمله هذه المبادرات الثقافية الطيبة والرائعة، في طياتها من آثار إيجابية على المجتمع، لم يكن هناك من يتوقع اندثارها مباشرة بعد رحيل الرجل من الوزارة الوصية، بيد أن السيد: منصف بلخياط الذي شغل بدوره منصب وزير الشباب والرياضة، في حكومة السيد: عباس الفاسيابتداء من:2009  إلى غاية: 2012، ولاعتبارات ليس يعلم سرها أحد غيره، بدل رعاية بادرة الجامعات الشعبية وحسن استثمارها، سارع إلى إجهاضها دونما رحمة. ويهمنا هنا والآن في ورقتنا المتواضعة هذه نفض الغبار عنها، عسى قلب شيخنا رئيس الحكومة السيد: ابن كيران يرق لحالها ويأمر بإعادة الحياة لها، مادام السيد: محمد أوزين وزير الشباب والرياضة الحالي، لسوء حظه أو لقلة حيلته لم يتمكن من مجابهة جبروت التماسيح والعفاريت، وضبط ما يجري حوله في قطاع الرياضة من اختلالات صارخة، ومن فساد تجاوزت روائحه العطنة حدود البلاد، ومادام وقته لا يتسع للانشغال بأنشطة أخرى خارج الدائرة المرسومة له، يبقى الأمل معلقا على زميله السيد: الحبيب الشوباني الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، الذي يبدو أنه بمعية بعض مكونات المجتمع، فطنوا بغتة إلى ما تعرضت له التجربة الفتية من اعتداء، وأدركوا مدى أهميتها في خلق دينامية تنموية شاملة ومتجددة، فبدا الإصرار واضحا على إحياء التجارب الموؤودة، كيف لا ومقتضيات دستور 2011،  بوأت المجتمع المدني مكانة محترمة في كل ما له صلة بالتأطير والتواصل والتفاعل المجتمعي، وهيأت له من الوسائل والآليات، ما هو كفيل بإنجاح كافة المشاريع الإنمائية والحفاظ على ديمومتها ؟

     وفضلا عن كون الجامعة الشعبية مبادرة ثقافية وتربوية ومعرفية، وحالة إبداعية هامة ذات غايات إنسانية راقية وقيم نبيلة، تهدف إلى دعم دمقرطة الفضاء الثقافي، فهي كذلك عبارة عن برنامج تعليمي مجاني، يندرج في مجال اكتشاف المواهب وتقوية المدارك، ترسيخ روح المواطنة وتعميق الوعي، تعميم المعرفة وإثراء المعلومات في صفوف جميع فئات الشعب من الجنسين، وتأهيلهم للانخراط الواعي والمسؤول في الحوار المجتمعي، وبوجه خاص الأشخاص الذين لسبب ما لم تسعفهم الظروف في استكمال دراساتهم العليا، ممن لهم رغبة في تحسين مستوياتهم الفكرية والعلمية والعملية… ويساهم أيضا بفعالية في النهوض بالمجتمع والرفع من مستويات باقي أفراده، ويمنحهم “السلاح” الجدير بمحاربة أساليب التضليل والفساد، ومقاومة غول الفراغ والانغماس في توافه الأمور داخل البيوت وخارجها أمام الأزقة، أو في كهوف الحانات وعلى كراسي المقاهي المنتشرة في أحياء المدن وشوارعها، أو في التعاطي لمختلف أصناف المخدرات، دون إدراك لما قد يترتب عن ذلك من تداعيات خطيرة…

     إن ما يرد علينا تباعا من تقارير منظمات دولية، تضع بلادنا في رتب مخجلة ومتدنية، ليدعو إلى الكثير من التوجس والقلق، وإلى ضرورة الانكباب على مراجعة سياساتنا العمومية غير المجدية، بما يحقق الطفرة النوعية المرجوة، والتعجيل بإصلاح منظومتنا التربوية، دون إغفال مسألة تعليم الكبار عبر عودة الروح للجامعات الشعبية، التي من شأنها الإسهام بفعالية في إعداد الأشخاص للاضطلاع بواجباتهم، وفي تعزيز المكتسبات وتقوية شروط الانفتاح على المحيط الاجتماعي والثقافي، وفي خلق فضاء للحوار المدني والديمقراطي… صحيح أن فكرة المشروع مستلهمة من نماذج غربية متقدمة، لكن هذا لا يعني أن مجتمعنا غير قادر على تمثل التجربة أو تعوزنا الإمكانات الضرورية، بل لنا من القدرات والطاقات البشرية، ما يؤهلنا لاستيعاب وتطوير مضامينها، واستغلالها في الاتجاه الصحيح لتوسيع دائرة التعلم والاستفادة. وانطلاقا مما نصبو إليه من انتقال ديمقراطي، نرى لزاما علينا إعادة الثقة للمؤسسات الجمعوية العاملة في حقل التطوع، وشحذ العزائم لفتح نقاش عميق ومثمر، وتحفيز  المواطنين على المساهمة في بناء مغرب حديث، لضمان الخروج من شرنقة الضياع والتخلف، واسترداد الحقوق والكرامة والحرية، بدل الانكفاء على النفس والغوص في قضايا واهية والرسف في أغلال وهمية تعمق الجراح والآلام، وتزرع بذور الفرقة والكراهية بيننا، وأن تنصب جهود الجمعيات الوطنية الصادقة، على إشاعة روح التنافس الشريف، والقيام بفتح ورشات متنوعة عبر تنشيط المكتبات العمومية، تنظيم حلقات إبداعية، أشغال يدوية، ندوات تربوية، دروس تثقيفية، عرض أفلام وأشرطة وثائقية وإلقاء محاضرات تنويرية… والعمل على مد الجسور مع مواقع الإنتاج والخدمات في القطاعين العام والخاص والتنسيق بينها، في إطار شراكات لتبادل الخبرات وتوطيد العلاقات…

     ولبلوغ هذا المبتغى الإنساني والحضاري الجميل، يتعين إشراك مختلف الفاعلين في المجتمع من: مثقفين، منتخبين، أطباء، أكاديميين، قضاة ومحامين، رياضيين، رجال التربية والتعليم، إعلاميين وسينمائيين… وأن يحرص مهندسو السياسات العمومية، على استحضار الدراسات والبحوث في مجالات العلوم الإنسانية ومختلف مصادر المعرفة، وضرورة إيلاء العنصر البشري ما يلزم من عناية وحماية باعتباره ثروة ثمينة، والسهر على إقامة “منارات ثقافية” بشراكة مع المؤسسات الخاصة، الجماعات الترابية، ووزارات: التربية الوطنية والتكوين المهني، الشباب والثقافة…. من أجل توفير وسائل الدعم والتمويل ووضع بعض المدارس خارج أوقات الدراسة وأثناء العطل الرسمية، وكذا دور الشباب ومقرات الجمعيات… رهن إشارة الفئات المستهدفة، مع فسح المجال لحرية الاختيار وفق ميولها وحسب المكان والزمان، بسط السبل أمام التعلم الذاتي باستخدام الوسائط والتقنيات التكنولوجية المتنوعة الحديثة، تسطير برامج خاصة بإعادة التكوين وتأهيل الموظفات والموظفين والعمال في كل القطاعات، السعي الحثيث إلى تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع وبلا تمييز، تشجيع المستفيدين بتخصيص مكافآت وشواهد رمزية عند نهاية الدورات التعليمية، وأن يتطوع للإشراف والتدريس شخصيات مرموقة ذات غيرة وطنية وكفاءات عالية، في التخصصات: القانونية، الفنية، الأدبية والعلمية… سواء منها المنتمية إلى هيئات سياسية أو نقابية أو جمعيات، أو من تلك المستقلة التي تأنس من نفسها الاستعداد والقدرة على خلق إشعاع ثقافي في المجتمع وتنمية الرصيد المعرفي والثقافي لأفراده…

إقرأ أيضاً

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.